حبي غير



 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جالتسجيلدخول
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» النملة والحمامة
الثلاثاء مارس 04, 2014 1:49 pm من طرف randa

» أجب بـ ( نعم ) أو بـ ( لا )
الإثنين فبراير 08, 2010 6:01 pm من طرف šάяάђ

» لعبة شو يقربلك هالاسم
الإثنين فبراير 08, 2010 5:59 pm من طرف šάяάђ

» 7 انواع حلى قهوه .....بسيط ولذيذ
الإثنين فبراير 08, 2010 5:58 pm من طرف šάяάђ

» طريقه عمل الكبسه ....مررررره لذيذه
الإثنين فبراير 08, 2010 10:34 am من طرف همس الناي

» قصة شاب يازل زوجة إمام المسجد
الأحد فبراير 07, 2010 2:49 pm من طرف همس الناي

» فضل الوضوء قبل النوم ــ الله أكبر أين نحن عن هذه المعلومه ؟؟‎
الإثنين ديسمبر 07, 2009 1:14 pm من طرف šάяάђ

» فوائد الملح للجماال
الخميس ديسمبر 03, 2009 12:14 am من طرف šάяάђ

» دليل المطاعم....في السعوديه...!!!!!!!!!!!!!‎
الخميس ديسمبر 03, 2009 12:05 am من طرف šάяάђ


شاطر | 
 

 اشهر جاسوسة عربيه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
love-rise
عضو مميز
avatar

انثى
عدد الرسائل : 880
العمر : 34
رقم العضويه : 14
الدول : العراق
تاريخ التسجيل : 04/11/2008
التقييم : 3775

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأربعاء مارس 18, 2009 3:52 pm

study
التكملة....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأحد مايو 17, 2009 2:23 pm

اليوم المرير :
في مبنى الموساد . . كانت الوجوه مرهقة . . خائفة ..متوترة. فالعمليات الفدائية اشتدت وطأتها . . والمعلومات المتاحة بعيدة عن التفاصيل.
ومنذ صدرت الأوامر لأمينة باستدراج أبو ناصر بحرص، كانت رسائلها تجيء مشوهة . . بخيلة . كأنما يتعمد الضابط الفلسطيني ذلك، وهو ما يعني أن العميلة وقعت تحت بؤرة الشك . . أو أنها انكشفت فعلاً .
،،
فخبر التسلل الأخير عبر البحر كان حقيقياً من حيث التوقيت. . لا المكان.
أما خبر عملية تل أبيب . . فكان أكثر شكاً .. وغموضاً. . ورعباً.
بل هو الرعب نفسه . . والدمار كله للكيان المسخ.
،،
هكذا يمر الوقت ثميناً. . يحمل بين دقاته انفجارات الموت البطيء. ورجال الموساد يقلبون الأمر في ارتباك، ويخضعونه للتحليل الدقيق. لكنهم عجزوا عن الوقوف على إجابات مقنعة. . وحاصرتهم تساؤلات محيرة زادتهم إرهاقاً. . وجنوناً. . وإمعاناً في مزيد من الحرص . .
،،
صدرت الأوامر لأمينة بمغادرة صور الى بيروت فوراً. والتوقف نهائياً عن جلب المعلومات أو بث الرسائل. لكن العميلة الغاضبة العنيدة . . بثت رسالة إليهم قلبت الموازين كلها . . وأذهبت بعقول الكبار قبل الصغار في الموساد.
،،
إذ زفت إليهم أمينة خبراً عن تسلل سبعة فدائيين في غبش الفجر، يحملون أسلحة الـ آر.بي.جيه، ومدافع الكلاشينكوف القاذفة، والقنابل الهنغارية، وكميات من عجائن المتفجرات، بقصد تفجير مستعمرة جيشر هازيف (على بعد ستة كيلومترات شمالي نهاريا) بمناسبة عيد الصهاينة القومي.
،،
فانطلقت قوات الأمن تطوق المستعمرة، وانتشرت نقاط التفتيش بكل الطرق، ومع أولى تباشير الخامس عشر من مايو 1974، كانت المعركة الشرسة قد بدأت، ولكن بمنطقة أخرى أبعد عن تصورهم . . وتوقعهم.
،،
وكانت العملية هذه المرة في قرية معالوت. حيث حاصر الفدائيون السبعة القرية، وأمطروها بوابل من قذائفهم الصاروخية، وسيطروا تماماً على سكانها
والطرق المؤدية إليها، كما دمروا عدة سيارات عسكرية حاولت
الالتفاف لعزلهم عن القرية. وبعد ستة ساعات ونصف أسفرت المعركة عن
إصابة 117 صهيونيا بينهم 25 قتيلاً . .
،،
ووقفت الشمطاء جولدا مائير أمام كاميرات التليفزيون في الكنيست وهي
تكفكف دموعها وتقول:
"اليوم . . عيد ميلاد دولتنا الخامس والعشرين .. وقد أحاله الإرهابيون الى
يوم مرير بالنسبة لإسرائيل".
،،
لم تنصت أمينة لأوامر رؤسائها في الموساد بالتوقف - مؤقتاً – عن العمل.
فما كان ذلك إلا لأجل حمايتها، لكنها كانت ككتلة الثلج التي ذاب ما حولها، فهوت مندفعة لا يجرؤ إنسان على إيقافها.. أو التصدي لها.
كانت تحمل روحها على كفها. ولا تهتم بالخطر أو تحسب له حساباً.
،،
وفي لحظة . . استجمعت جرأتها في عنف . . وطلبت من مارون الحايك أن يزورها بشقتها في بيروت. فأسرع إليها يمني نفسه بوليمة فسق مثيرة، لكنه ما إن دلف الى الصالون، حتى وقف مذهولاً . . وقد تجمدت الدماء في عروقه . . وتعلقت عيناه الجاحظتان بنجمة داوود الزرقاء على الحائط.
إجلس أيها الأبله . . (!!) قالتها أمينة في لهجة حاسمة ، مرعبة.

ــ أنتِ ..!!
ـــ نعم . . إسرائيلية.
تلفت الرجل الهلع حواليه وهو يرتعد:
ماذا تريدين مني . . ؟
بدأنا المشوار معاً . . ولا بد أن نكمله معاً حتى النهاية.
مشوار . . ؟ معاً. . ؟ أنا لم أبدأ . . أنا لا أعرف . . أنا .. أنا
لا تكن مراوغاً أيها النتن، فأنت تعلم جيداً أنك تعمل معي لصالح الموساد.
وحياتك وحياة أسرتك رهن إشارة واحدة مني.
ــ يا يسوع . . أنقذني ..خلصني ...!!؟

وبينما جسده ينتفض كالطير المذبوح . . كانت تنثر أمامه عشرات الصور التي تجمعهما معاً في أوضاع فاضحة، وتفتح جهاز التسجيل ليجيء
صوته وهو يدلي بأرقام التليفونات السرية للقادة الفلسطينيين، فاقشعر بدنه
وتصبب عرقاً. . وقال خاضعاً في صوت يسيل منه الرعب:
وماذا بيدي يا سيدتي . . ؟
الموساد تريد منك تعاوناً أكثر.كيف . .؟
سأعرّفك.
أن لا أفهم بالسياسة.
ولكنك تحب الخمر والجنس والمال.
أنا غبي . . تعس.
ستدفع لك الموساد مائتين وخمسين ليرة كل شهر.
أرجوك سيدتي . . الموساد . .؟
كلب مثلك يجب أن يكون وفياً لأسياده.
،،
انفتح على حين فجأة باب إحدى الغرف . . فالتفت مارون وهو يرتعد . . وصدرت عنه صرخة تفيض هلعاً عندما رأى ثلاثة رجال
ذوو نظارات سوداء ووجوه جامدة . .
كانوا وقفوا متجاورين وأيديهم الى الخلف كالتماثيل.
مرت ثوان كالدهر لم ينطق أحدهم بكلمة . . بينما مارون يتمتم بما يشبه البكاء.
قالت أمينة بلهجة كالأمر. ماذا تقول يا مارون . .؟
ماذا تريدون مني؟
أتكره إسرائيل؟
أنا لا أكره أحداً . . لا . . لا .. بل أكره عرفات . . نعم . . أكره عرفات ورئيسي في العمل . . ماذا تريدون؟
أولاً . . وقّع هنا . . إنه إقرار بالصداقة والتعاون.
تناول مارون الورقة وأراد قراءتها . .
لكنها صرخت فيه بعنف، وقد انتهزت فرصة وقوعه تحت السيطرة والشلل العقلي الفجائي الذي أصابه، صفعته بشدة على وجهه والشرر يتطاير من عينيها، فتملكه الفزع وقفز واقفاً يتحسس وجهه، فأطبقت على
كل ما بقي لديه من إدراك وهي تهدده بأن فريقاً من الموساد يحاصر ابنته ..
،،
رصاص الفلسطينيين يتهدد صدره، وبحسم صرخت فيه أن يوقّع . .
فوقّع على الورقة والقلم يرتعش كالبندول بين أصابعه . وأردفت:
أريد زيارة الغرفة السرية بالسنترال المركزي التي حدثتني عنها.
وسوف أقوم بالتناوب – أنا وأنت – بتسجيل المكالمات بين القيادات الفلسطينية ..
...!!!
تسجيل . .؟
نعم . . ألم تسمع أيها الغبي عن العمليات الفدائية داخل فلسطين. . ؟
أنا لا أقرأ في السياسة ..
لن تقرأ على قبرك: "طوبى للذي تختاره يا رب".
بإمكاني التصنت أثناء نوبات عملي ولكن ....
اعلم جيداً كيف تسجل المكالمات أنت ومانويل عساف.
مانويل . .؟
ألا تكفي مائة ليرة؟
مائة ليرة . . ؟
هو يبيع امرأته بليرة.
،،
هذه مهمتك أنت . . ولا دخل لي بها.
كان كالفأر المذعور الذي وقع في المصيدة، سنوات طويلة من حياته مرت به وهو يستمرئ المغامرة ويستلذ اصطياد الفرائس.
،،
ولم يتوقع يوماً أن تجيء لحظة ينقلب فيها حاله، ويصبح هو الفريسة المرتجفة، بين يدي امرأة كانت الى عهد قريب ناعمة . . مثيرة . . رقيقة . .
انقلبت فجأة الى وحش مسعور، تنبعث رائحة الموت في لفتاتها . .
ويسمع له وقع في صوتها الشيطاني الرهيب.


،،
انتهى
الفصل السادس

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأحد مايو 17, 2009 2:25 pm

--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الســـابـع
الغضب الهادر:

أسفرت عملية تجنيد مارون الحايك عن فائدة عظيمة للصهاينة . .
إذ أن التجسس المستمر على مكالمات القادة وزعماء الجبهات الفلسطينية ، كشف نواياهم تجاه الدولة العبرية، وخططهم الفدائية للضرب داخل الأراضي المحتلة.
،،
ولم تكن الأحاديث التليفونية المتداولة من خلال التليفونات السرية أحاديثاً مكشوفة تماماً، يستطيع المتنصت عليها إدراك مضامينها بسهولة، إنما اعتمدت على أسلوب التمويه والشفرة الكلامية التي تتطلب مهارة عبقرية لفهمها.
،،
وثقة في اللبنانيين.. كان زعماء الجبهات أحياناً كثيرة ينسون أنفسهم ويتحدثون علانية فيما بينهم صراحة، أو مع مساعديهم ظناً منهم – وهذا خطأ كبير –
أن التجسس على محادثاتهم أمر مستحيل وهي ثغرة كبيرة في تاريخ خبراتهم.
،،
فالدوائر التليفونية المغلقة كانت محددة بكل منظمة، والاتصال بالمنظمات
الأخرى في بيروت نفسها يتم بواسطة خطوط شبكة المدينة.
وكذا الاتصال بخارج المدينة، وكانت السرية خاضعة للخدش عن طريق زرع أجهزة التنصت . . أو استراق السمع بأسلوب مارون الحايك، من خلال
الغرفة السرية التي أقامتها الميليشيا المسيحية في لبنان للتجسس على المسلمين . . وعلى الفلسطينيين أيضاً الذين اتخذوا من حي الفكهاني مقراً لهم، فكان
بمثابة عاصمة فلسطينية وسط بيروت وجنوبها.
،،
فبالحي الذي يقع بالقرب من مخيمي صبرا وشاتيلا، أعدت منظمة التحرير مكاتبها بطريقة عشوائية حول مبنى جامعة الدول العربية. وأقام قادتها في مبان
مجهولة تحت حراسات مشددة.
فالمنظمة التي أسسها عرفات – خريج هندسة القاهرة 1956 - أكثر من
مجرد مقاومة شعبية . . بل جيش مسلح مدرب، يتربص بالصهاينة
لضربهم في الأعماق.
،،
كانت أمينة المفتي تدرك ذلك جيداً .. وترى بنفسها الرقابة القوية الصارمة التي تفرضها كبرى المنظمات الفلسطينية – فتح - على منشآتها في حي الفكهاني. . والحراسة المكثفة التي حول مقر عرفات كلما ذهبت لمقابلته.
وعندما اتصل بها مارون الحايك قبل الفجر بقليل، فتحت على الفور
جهاز اللاسلكي صباح يوم 23 مايو 1974، وبثت إلى الموساد
رسالتها الخطيرة:
(آر. كيو. آر. بعد 37 دقيقة من الآن - سيهاجم ثمانية من الفدائيين
المتسللين مستعمرة زرعيت .
تسليحهم رشاشات كلاشن وقنابل 57 ملم/ م.د. نفيه شالوم)
،،
وبالفعل . . صدقت المعلومة تماماً . . وأطبق اليهود على الفدائيين الثمانية، فقتلوا ستة منهم وأسروا اثنين. وعندما كانت أمينة تتجسس بنفسها على مكالمات القادة الفلسطينيين، اقتحمت الخط السري الخاص بمكتب جورج حبش .
،،
لاحظت بعد عدة مكالمات له، أن هناك ترتيبات عسكرية يتم إعدادها بشكل سري، حتى انفجر الحوار ساخناً جداً بينه وبين أحد مساعديه في صيدا. حيث بدا
جورج حبش منفعلاً أشد الانفعال، وهو يأمر مساعده بإتمام العملية يوم 13 يونيو.
،،
وفي غمرة انفعاله نطق اسم كيبوتز شامير سهواً. لم تهمل عميلة الموساد الأمر. وأبلغت رؤسائها على الفور بما سمعته. وبعد ثلاثة أيام كان هناك خمسة من الفدائيين القتلى على مشارف قرية كيبوتز شامير، بوغتوا قبلما
يستعملوا رشاشاتهم الآلية.
وفي 27 يونيو 1974 - لقي ثلاثة فدائيين آخرين مصرعهم، بعدما قتلوا
أربعة من الجنود الصهاينة في نهاريا.
،،
لقد كانت الطائرات الصهيونية ترد بوحشية إثر كل عملية فدائية. فتدك
المواقع الفلسطينية في الجنوب، من معسكرات ومخيمات ومحطات تموين ومراقبة. وتضرب كل ما هو فلسطيني على أرض لبنان.
وكانت المعلومات التي أمدت بها أمينة الموساد، تلك التي تكتشفها من خلال
غرفة السنترال السرية، هي بلا شك معلومات حيوية للغاية، لا تحتمل
التأويل أو الشك.. تجيء عبر أحاديث صانعي القرار أنفسهم ..
من أعلى مستويات القيادة الفلسطينية.
،،
إنها سلسلة طويلة من التبليغات التي أودت بحياة العشرات من الشباب الفدائي المكافح أشعرت أمينة بأهمية دورها . . وقوة مركزها، دون إحساس
ولو ضئيل بالندم . . بل ازدياد مستمر في حدة الغضب . .
لضراوة الثأر لفقد الحبيب موشيه.
،،
الأصدقاء الجدد:
كانت الحكومة الصهيونية مصممة على تدمير البنية العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان، وكانت جهودها لمتابعة مصالحها في لبنان تشمل دبلوماسية سرية. فقد حدث اتصال وثيق بين الموساد وميليشيات لبنان المسيحية - الكتائب –
منذ ذلك العام - 1974 - حين كان الزعماء المسيحيون يخشون فقدان السيطرة التي يتمتعون بها، عندما شكل منافسوهم المسلمون اللبنانيون ائتلافاً مع الفلسطينيين الكثيرين في لبنان، فزادوا بذلك قوة . . ونفوذاً.
وبدءوا يطالبون بنصيب أكبر في الفطيرة السياسية. لكن السياسيين المسيحيين رفضوا أية إصلاحات في نظام يناسبهم كثيراً .
،،
من هنا ..
تم إقناع زعيمي الميليشيا المسيحية، كميل شمعون و بيار الجميل، بالدخول في اتصالات سرية مع الدولة اليهودية. وقد عقد شمعون - الذي كان رئيس جمهورية سابق، والجميل - وكان وزيراً - محادثات سرية مطولة مع إسحاق رابين رئيس وزراء إلصهاينة، بغية الحصول على مساعدات عسكرية وتدريبية لميليشيات الكتائب، للوقوف أمام قوة المسلمين والفلسطينيين.
،،
ومنذ منتصف ذلك العام - 1974 - دعمت الموساد الاتصالات مع الكتائب على اعتقاد بأنها ستوفر مزايا هامة للصهاينه ، أهمها إسكات المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان، والتجسس على الجيش السوري.
،،
لذلك ..
كانت صفوف طويلة من عملاء الموساد تعمل في لبنان باطمئنان، وبلا خوف من السلطات اللبنانية. لكن الخوف كان منبعه جهاز المخابرات الفلسطيني برئاسة
علي حسن سلامة، الذي استطاع بنفسه كشف أكثر من عشرين عميلاً للموساد بين صفوف المقاومة . . أعدمهم بنفسه، وأحاط كل غريب بدوائر
من الشكوك والريب.
،،
وقد كان من الطبيعي أن يصبح زعماء الميليشيا المسيحية في لبنان أصدقاء للصهاينه، وذراعها القوية لضرب الفلسطينيين بعد ذلك . .
وارتكاب أبشع المذابح بحق الشعب المقهور.
،،
انتهزت أمينة المفتي هذا التقارب الكتائبي / الصهيوني، وسعت خلف بشير الجميل - ابن بيار - الذي كان محامياً في بلد لا قانون فيها، فجمعت عنه
حصيلة هامة من المعلومات أمدت بها الموساد.
،،
وعرف عن بشير أنه جريء . . وماكر . . وإجرامي. فرغم كونه أصغر ستة أبناء لبيار، تقدم بسرعة . . ولم يبد أي تردد في قتل حلفائه المسيحيين –
أفراد أسرتي شمعون وفرنجية - حتى أصبح مسؤلاً عن أكبر ميليشيا مسيحية في لبنان. ومن السهل على من خان وطنه وعروبته الغدر بحلفائه .
،،
رأس الحية :
في الأول من أكتوبر 1974 عندما كانت أمينة بغرفة المراقبة السرية بالسنترال، صعقت وهي تستمع إلى حوار ساخن بين علي حسن سلامة وأحد مساعديه، وأدركت أنها النهاية المؤكدة للملك حسين. بل ولمؤتمر القمة العربي في الرباط.
،،
ولنقرأ معاً ما كتبته في مذكراتها عن أحداث ذلك اليوم.. تقول أمينة:

كنت بالغرفة السرية منهمكة في عملي، تمتد أسلاك جهاز التسجيل إلى جواري، وعلى كرسيه يقبع خلفي مارون الحايك، تلفح جسدي نيران نظراته برغم
هواء الغرفة المكيف اللطيف.
كانت الغرفة الواسعة ذات بابين، أحدهما مغلق دائماً ولا يفتح إلا بإذن خاص وهو يؤدي إلى الممر الرئيسي، أما الباب الآخر فسري ويشكل جزءاً من دولاب حائط كبير، ويتصل بسلم خلفي صاعد.
،،
كنت أنصت إلى حوار هادئ بين عبد الوهاب الكيالي زعيم جبهة التحرير العربية التي ترتبط بحزب البعث العراقي، وأحمد جبريل زعيم جبهة التحرير الشعبية التي نفذت عملية فدائية ناجحة في إلأرض المحتله منذ فترة وجيزة.
وأصابني الملل لتفاهة الحوار بينهما، فالتفت إلى مارون الذي انتبه اليّ وسألته عمن يعرف سر هذه الحجرة المثيرة، فأجابني بأنهم نفر قليل، وإجراءات دخولها تخضع لتعقيدات وقيود كثيرة.
،،
وأنه لولا الأربعين ليرة التي دفعها للحارس الخاص للغرفة، ما استطاعا الدخول أبداً. كان مارون يحدثني بنبرة مليئة بالثقة بما يدل على أنه قام بعمل بطولي لأجلي، لذلك ترك مقعده واقترب مني مبتسماً، فقبلته . . وأحسست وهو يخاصرني بأنه هدأ كثيراً من ناحيتي .. ويريد مني الكثير فنهرته بلطف، واقتحمت خطوط عرفات وحواتمة وأبو إياد فوجدتها مغلقة.
،،
وحينما فكرت في إيقاف جهاز التسجيل طرأت ببالي فكرة التجسس
على تليفون سلامة. لقد كان الوقت قبل منتصف الليل بقليل، وسلامة يتحدث مع أحد رفقائه ويدعى أبو نضال. ضغطت على زر التسجيل وأحكمت السماعتين فوق أذني وانتبهت للحوار بينهما.
،،
كان مارون ما يزال ملتصقاً بي من الخلف يثيرني بقبلاته المجنونة حول رقبتي، عندما اقشعر بدني كله وبدأ شعر رأسي كأنه يتصلب . . وينتصب، وأنا أستمع إلى سلامة يقول في ثورة :
(التل وحده لا يكفي . علينا برأس الحية صديق اليهود، ومؤتمر الرباط
فرصتنا الأكيدة فلنكن حذرين . . وشجعان . الله معك يا أبو نضال).
،،
هناك إذن تخطيط لاغتيال الملك حسين في الرباط . . وتبنت العملية
منظمة أيلول الأسود. وحين نزعت الأسلاك كانت رأسي تدور
وتدور يد مارون المثار حول مؤخرتي، فسألته أن يؤمن الطريق لأخرج.
،،
وفي شقتي لم أقو على الانتظار لأبدل ملابسي، فأرسلت على الفور
برسالتي الخطيرة إلى الموساد. وبعد ست وثلاثين دقيقة جاءتني
رسالةتطلب مني إعادة البث.
،،
فأيقنت أن القلق ركب رؤوس القيادة هناك، خوفاً على صديقهم العربي. .
الملك حسين.. ومرت ثلث الساعة إلا دقيقة واحدة، وجاءتني رسالة أخرى تحمل أمراً هو غاية في العجب.. والدهشة...
،،
إذ أمرت بالبحث عن وسيلة لدخول شقة علي حسن سلامة بحجة تطبيب عياله. فحتى تلك اللحظة. . لم أكن أعلم أن لسلامة أولاد . .
وزوجة أخرى تمت بصلة قربى لمفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني.
وقلت في نفسي:
أترضى ملكة جمال الكون - جورجينا رزق - بدور الزوجة الثانية؟؟
يا لسلامة المحظوظ . . الهانئ . . السعيد..!!

،،
انتهى
الفصل السابع

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأحد مايو 24, 2009 8:49 pm

--------------------------------------------------------------------------------

الفصل الثامن
شبكة الأربعة :

لم تكن فكرة اغتيال الملك حسين ناشئة من فراغ.
فالفلسطينيون رأوا منه أكثر مما تصوروا. .
فمنذ عام 1970 وهو مرتبط بعلاقات وثيقة بالصهاينة خوفاً على عرشه.
واجتمع بموشي ديان لمرات عديدة في محادثات سرية، في ذلك الوقت كان اللاجئون الفلسطينيون يشكلون نحو نصف سكان الأردن، ويشكلون أيضاً مصدر إزعاج متزايد له، بقيامهم بعمليات فدائية داخل الضفة الغربية انطلاقاً من الأردن، يرد عليها الصهاينة بالمثل، ويضغطون على الملك لوقف تلك العمليات، بتوجيه ضربة للفلسطينيين تفتت قوتهم وقواتهم.
،،
وقد كان . .
ومات عشرات الآلاف من الأبرياء فيما سمي بأيلول الأسود عام 1970.
وهو الاسم الحركي للفرقة السرية الخاصة التابعة لعرفات، والتي يترأس عملياتها علي حسن سلامة الذي نفذ أولى عملياتها باغتيال وصفي التل، ثم توالت
العمليات في عواصم أوروبا ضد الصهاينة.
،،
وبعد حرب أكتوبر.. توصل العرب في الجزائر إلى صيغة رسمية وهي أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وشكل هذا الأمر خلافاً جوهرياً مع الملك حسين، الذي كان يدعي لنفسه هذا الحق.
،،
حتى جاء شهر يوليو 1974، ومعه خطوة هامة، عندما اتفق الملك حسين والسادات على صيغة أخرى تحفظ ماء وجه الملك. وهي أن
منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للفلسطينيين، باستثناء
الفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن. فأثار البيان
منظمة التحرير، وفكر سلامة جدياً في ضرورة التخلص من الملك حسين.
،،
وحالف الحظ الملك، عندما تمكنت السلطات المغربية من إلقاء القبض على وحدتي كوماندوز فلسطينيتين، وصلتا من أسبانيا لاغتياله، وتم التعتيم على الأمر خاصة وقد حضر عرفات المؤتمر، وحقق نجاحاً كبيراً في الحصول على
أكبر دعم عربي لشرعية منظمة التحرير.
،،
وبموجب مقررات مؤتمر الرباط، أصبحت المنظمة مسؤولة عن وضع الاستراتيجية التي تراها كفيلة باستعادة الحقوق المشروعة للفلسطينيين، أي أن المنظمة مطالبة باتخاذ مواقف محددة وواضحة:
هل هي تريد تحرير فلسطين كلها أم جزء منها تقام عليه الدولة الفلسطينية. . ؟

وفي هذه الحالة . .
كيف تستطيع إعداد الوسائل التي تمكنها من الوصول إلى هذا الهدف؟.
وهل هي تريد الوصول إليها بجهدها الخاص أو بالتنسيق بين استراتيجيتها والاستراتيجية العربية، وعلى وجه التحديد بين استراتيجيتها
واستراتيجية مصر وسوريا - اللتين تعملان تحت
قيادة عسكرية موحدة - باعتبارهما أقوى دول المواجهة في المنظمة.
،،
أو هل تريد المنظمة العودة إلى قرار التقسيم الصادر عن
الأمم المتحدة عام 1948؟ . .
أو تريد إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ . .

وفي هذه الحالة . .
هل هي مستعدة للاعتراف بقرار مجلس الأمن رقم 242 إذا ما عدلت الفقرة التي تتحدث عن "اللاجئين الفلسطينيين" إلى "الشعب الفلسطيني"؟ ..

وفي هذه الحالة . .
هل هي مستعدة للذهاب إلى مؤتمر جنيف؟ ..
وإذا ما قررت الذهاب إلى جنيف كيف يمكن حل مشكلة
اعترافها بالوجود الصهيوني في فلسطين؟
أو باعتراف إسرائيل بها؟. . أي الاعترافين يجب أن يسبق الآخر؟ ..
،،
عشرات الأسئلة طولبت أمينة المفتي بالتجسس على أعضاء اللجنة التنفيذية العشرة لتكشف نواياهم. والأعضاء هم خليط لكافة التيارات الفلسطينية، فهناك التيارات اليمينية المتطرفة، واليسارية والمحايدة، والمتعصبة، بعضهم شيوعيون وآخرون معارضون لهم وللماركسيين، وهناك ديموقراطيون و . . و . . الخ.
،،
كل هذه التيارات المختلفة، متفقة فيما بينها على الاستراتيجية العامة. فالهدف - هو تحرير فلسطين، وإن كان هناك اختلاف في التكتيك طلب منها أيضاً معرفة المصادر المالية للمنظمة ومخازن السلاح في سوريا، ورأي القيادة العليا
في مسألة القدس.
،،
لذلك . .
انشغلت أمينة بشكل لم يسبق له مثيل. . وساعدها مارون ومانويل في نوبات التنصت على تليفونات القيادات الفلسطينية، بل إنها
استطاعت تجنيد صديقتها خديجة زهران التي طُلقت من زوجها اللبناني، فتزوجت بغيره وطلقت منه أيضاً، وسقطت في شبكة أمينة المفتي في أحلك لحظات
ضعفها وحاجتها إلى النسيان . . والمغامرة. . والثراء.
،،
رباعي عجيب انطلق في مهام تجسسية صعبة، لإمداد الموساد بأخطر المعلومات عن الفلسطينيين الذين كانوا يستشعرون وجود مؤامرات لبنانية
لتصفيتهم، وقالوا للبنانيين:

إنكم لن تستطيعوا تصفيتنا لأنكم لا تملكون القوة الكافية لذلك.
ونحن لا نريد منكم إلا تمهيد الطريق لنا إلى فلسطين. والطريق إلى
فلسطين يمر بعين طورة وجونية، وهما منطقتان
لبنانيتان مسيحيتان، إحداهما في الجبل والثانية على الساحل.
،،
فتساءل اللبنانيون:
ماذا يفعل الفلسطينيون في الجبل وهو يبعد عن طريق فلسطين
بأكثر من مائة كيلو متر؟ . .
والحقيقة. . أن الطرفين كانا على حق. وتلك كانت مقدمة للحرب الأهلية اللبنانية.الخطأ المدمر :
في يوم 22 نوفمبر 1974، دخل عرفات لأول مرة مبنى الأمم المتحدة في نيويورك، مطالباً بإلغاء دولة الصهاينة، وإقامة دولة ديموقراطية تتكون من
العقائد الدينية الثلاثة - الاسلام والمسيحية واليهودية، وإلا
فليس أمامهم سوى الكفاح المسلح.
،،
ويخرج الوفد إلصهيوني غاضباً ليصرح سفيرهم بأن عرفات الذي قتل الأطفال اليهود، يحاول أن يقهر الدولة اليهودية بحجة فلسطين الديموقراطية.
وبعد أسبوع من لقاء نيويورك، بثت أمينة المفتي رسالة خطيرة
إلى الموساد، تتضمن هجوماً فلسطينياً مسلحاً سيتم بعد
عدة ساعات على إحدى مدن الشمال.
،،
وقبلما تتخذ سلطات العدو التدابير الأمنية الكافية كان ثلاثة من فدائي الجبهة الديموقراطية قد هاجموا مدينة بيت شين BET SHEAN إنطلاقاً من
الأراضي الأردنية على غير المتوقع، وقتلوا أربعة صهاينه ثم
جزوا رؤوسهم تماماً وكتبوا بدمائهم:
"فاليرحل أبناؤكم قبلما يلقوا مصيرنا".
،،
وبعد يومين تسلق أربعة فدائيين سور مطار دبي الدولي، وفتحوا نيران مدافعهم على الطائرة البريطانية التي كانت تتزود بالوقود في طريقها إلى كلكتا وسنغافورة، فأصابوا أحد الهنود واحتجزوا 47 شخصاً كرهائن وطاروا بهم إلى تونس، في ذات الوقت الذي أقر فيه السكرتير العام للأمم المتحدة حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم والعودة إلى وطنهم، والموافقة على اختيار منظمة التحرير مراقباً في الأمم المتحدة.
،،
وفي نهاية شهر يناير 1975 قال أبو إياد - مساعد عرفات - في
تصريح له كالقنبلة:
"إنني أعد بأن هذه الحادثة العارضة ستكون الأخيرة".
وبهذا التصريح، لم يعد هناك وجود لمنظمة أيلول الأسود. إذ غطت
الحرب الأهلية اللبنانية على كل شيء.
وأصبح مقاتلوا أيلول الاسود يكرسون جهودهم لمهام أخرى.
وعندما طلبت أمينة الإذن بمغادرة بيروت إلى تل أبيب، أعيد تذكيرها بإيجاد فرصة مناسبة لدخول شقة علي حسن سلامة ومحاولة الحصول على
القوائم السرية لرجال مخابراته في أوروبا، وخطط
العمليات المستقبلية المطروحة.
،،
وعلى ذلك انتهزت أمينة فرصة لقائها بسلامة في الكورال بيتش كالمعتاد، وسألته في خطأ فادح عن أولاده. فدهش الرجل الذي
لم يحدثها عنهم من قبل مطلقاً.
وبحاسته الأمنية العالية ملأه الشك تجاهها، وقرر البحث عن ماضيها وطلب من رجاله في عمان إعادة موافاته ببيانات عن الطبيبة الأردنية أمينة داود المفتي، التي يعيش أهلها بحي صويلح أرقى وأروع أحياء عمان.
،،
فجاءه الرد بأنها بالفعل طبيبة أردنية، غادرت وطنها إلى النمسا للدراسة، ولمشاحنات مع أهلها قررت ألا تعيش بعمان.
اطمأن سلامة لتحريات رجاله. . وتجددت ثقته بأمينة، لكن
بلاغاً سرياً من أوروبا وصل إلى مكتب المخابرات، قلب الأمور
كلها رأساً على عقب.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
love-rise
عضو مميز
avatar

انثى
عدد الرسائل : 880
العمر : 34
رقم العضويه : 14
الدول : العراق
تاريخ التسجيل : 04/11/2008
التقييم : 3775

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأحد مايو 31, 2009 5:21 pm

استمتعت بالقراءة ...


شكرا على المجهود المميز همس الناي...

بانتظار بقية القصة study
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأربعاء يونيو 03, 2009 4:39 pm

الرسالة الأخيرة :
أفاد البلاغ أن شاباً فلسطينياً في فرانكفورت بالمانيا، صرح لأحد المصادر السرية بأنه تقابل مع أحد الفلسطينيين في فيينا، وبعد
عدة لقاءات بينهما في حانات المدينة ومقاهيها، أخبره بأن له
صديقة نمساوية يهودية، ماتت إثر تعاطيها جرعة زائدة من
عقار مخدر، تزوج شقيقها الطيار من فتاة عربية مسلمة، وهربت معه إلى
فلسطين خوفاً من اكتشاف أمرها وملاحقة أجهزة المخابرات العربية لها.
وأن الفتاة كانت تدرس الطب في النمسا، وانتقلت إلى لبنان بعدما
أسقط السوريون طائرة زوجها، الذي اعتبر مفقوداً.
،،
كان البلاغ يحمل نبرة عالية من الشك، فلو أن الأمر صحيح إذن
فهناك جاسوسة عربية بين الفلسطينيين. وطلب سلامة إعادة استجواب الشاب في فرانكفورت، ولو اضطروا لأخذه إلى النمسا ليدلهم على الفلسطيني الآخر.
وذيل سلامة أوامره بضرورة السرعة، وإلى حين تصله
معلومات آخرى، طلب حصر كل الطبيبات العربيات المتطوعات
في المشافي الفلسطينية. . واللبنانية أيضاً.
،،
كان علي حسن سلامة شاباً خارق الذكاء. شاهد بنفسه مقتل
والده بيد اليهودوهو في الخامسة عشرة من عمره.
ففرت به أمه من الرملة إلى نابلس في الأردن.
،،
وعاش مثل آلاف الفلسطينيين في مخيم بائس يفتقر إلى المياه والكهرباء.
وفي نابلس أكمل تعليمه وكان دائماً من المتفوقين، لا يأبه بمطاردات الفتيات له برغم وسامته وجسمه الرياضي. فقد كان لا يهتم إلا بالسياسة فقط.
وبعدما حصل على الثانوية العامة بتفوق، حصل على منحة للدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت، التي كانت مجتمعاً لكبار المثقفين الفلسطينيين.
،،
واكتسب في الجامعة سمة الزعيم السياسي، حيث جمع من حوله الطلبة وألقى فيهم الخطب الثورية، وكان تأثيره يتزايد بينهم بعدما عرف لدى الجميع أن
والده مات بيد اليهود.
،،
وكان يقول دائماً :
"لقد نسونا وإذا لم نفعل شيئاً سنبقى دائماً في الطين
والوحل . . أذلاء. . بلا وطن".

وتخرج من الجامعة مهندساً ليلتقي بعرفات الذي كان قد
أسس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد هذا اللقاء تبدلت حياته كلها، إذ شغل منصب قائد القوة 17، ثم رئيس المخابرات الفلسطينية – (رصد ) ورئيس العمليات بمنظمة أيلول الأسود التي دوخت الصهاينة بعملياتها الفدائية المذهلة.
،،
استغل علي حسن سلامة ذكاءه الشديد في تعقب الخونة والجواسيس، الذين يتم زرعهم بين صفوف المقاومة وتمكن من كشف عشرين منهم خلال فترة وجيزة، وحصل على دورات تدريبية على أيدي رجال المخابرات المصرية.
،،
إذ استهواه العمل الفدائي والكفاح، وعشق مطاردة عملاء الموساد أينما كانوا. وأفلت مرات ومرات من محاولات فاشلة لاغتياله، حيث كان يجيد التخفي . . ماكر كالثعلب. . جسور كالأسد. . صلب كالفولاذ.
،،
وبعدما جاءه البلاغ عن وجود طبيبة عربية متطوعة تعمل لصالح الموساد في بيروت، كانت أمامه بعد ثلاثة أيام قائمة طويلة تضم أسماء 37 طبيبة. .
أربعة منهن فقط حصلن على شهاداتهن العلمية من جامعات النمسا.
وكن جميعاً آنسات . . إحداهن بالطبع كانت أمينة داود المفتي.
،،
وفي انتظار التقرير الحاسم الذي سيجيء من أوروبا . . أمر سلامة بوضع الأربعة تحت المراقبة الصارمة طوال الأربع والعشرين ساعة.
لقد كان السباق محموماً للوصل إلى الحقيقة بأسرع ما يمكن . . وبينما الطقس مشحون بالشكوك والترقب، أحست أمينة بعيني الجاسوسة المدربة، بأن
هناك عيوناً ترصدها. . ولا تترك لها مساحة من الحرية
لتتحرك بيسر كما اعتادت دائماً.
،،
وأول ما فكرت فيه هو التخلص من جهاز اللاسلكي، دليل الإدانة
الذي سيقدمها إلى حبل المشنقة.
فبثت رسالتها الأخيرة إلى الموساد :
(آر. كيو. أر. هناك من يراقبني ليل نهار منذ الأمس.
أنا خائفة ومرتبكة.
سأموت رعباً.
أفيدوني. نفيه شالوم ).
،،
خبراء المخابرات دائماً يشفقون على العميل الخائف، خاصة إن
كان مزروعاً ببلاد الأعداء.
ويدركون جيداً حجم المعاناة النفسية الرهيبة التي تغشى تفكيره، وقد تقود
مسلكه إلى نقطة النهاية والسقوط، بسب وقوعه في حالة ضعف
تدمر أعصابه، وتعصف بجرأته وبثباته.
،،
وهم في تلك الحالات يفضلون أن يفر عميلهم بحياته وبأي ثمن.
لذلك ردوا على أمينة بعد أقل من نصف الساعة:
(ضعي الجهاز بسلة قمامة الشقة العلوية.
إحرقي الشفرة. غادري بيروت بهدوء إلى دمشق بطريق البر.
ستجدين رسالة بمقهى "الشام".).
،،
تنفست أمينة الصعداء، وشرعت فوراً في تنفيذ أوامر رؤسائها.
لقد كان عليها ألا تلتقي بأحد أفراد شبكتها. .
لكن يجب تحذيرهم من السعي إليها.
لذلك اتصلت من الشارع بخديجة زهران وأخبرتها أنها
في طريقها إلى دمشق للسياحة.
،،
حملت أمينة حقيبة يدها الصغيرة يعصف بها الخوف والهلع وغادرت شقتها، لتدور بعدها في شوارع بيروت أشرس عملية هروب ومطاردة بين
الجاسوسة الخائفة ومطارديها. وفي موقف السيارات المتجهة إلى دمشق
اعتقدت بأنها أفلتت من المراقبة، حتى إذا ما صعدت إلى الباص واطمأنت في مقعدها، فوجئت برجلي أمن يقفان إلى جوارها، فألجمها الخوف وانخرست . .
،،
واعتقدت بأنها النهاية الحتمية لمشوار خيانتها، فقررت بألا
تموت على أيدي الفلسطينيين. وبلا وعي . . انطلقت أصابعها في لحظة كالبرق، تبحث عن كبسولة سم السبانيد بين خصلات شعرها.
لكن أيدي رجلا الأمن كانت الأسرع، إذ انقضت عليها كما تنقض حية الكوبرا على فريستها، واقتيدت إلى سيارة بيجو استيشن مفتوحة الأبواب كانت
تنتظر خلف الباص، يقف إلى جوارها رجلان آخران جامدي الملامح.
،،
وقبلما تبلغ أمينة البيجو فشلت ساقاها عن حملها، فاضطر الرجلان إلى رفعها عن الأرض رفعاً، وألقيا بها إلى داخل السيارة التي انطلقت كالريح إلى حي الفكهاني، تسبقها سيارة أودي - 80 - إل إس تقل أربعة رجال مدججين بالسلاح.
،،

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الأربعاء يونيو 03, 2009 4:41 pm

،،
وأمام أحد المباني بالقرب من المدينة الرياضية، سحب الرجال العميلة المغماة إلى الداخل، حيث أودعت في غرفة ضيقة تحت الأرض، تكبل يديها من الخلف سلسلة حديدية طويلة ربطت إلى الحائط.
لم يكن لدى المخابرات الفلسطينية - رصد - حتى وهم يراقبونها
دليل واحد ضدها. فالتقرير لم يصل بعد من أوروبا ليؤكد براءتها من عدمه.
،،
لكن حينما أمسك رجال الأمن بها كانت ملامحها كلها تنطق بالخوف وتضج بالرعب، ولأنهم اعتادوا تلك الملامح التي ترسم عادة على وجوه الخونة، أيقنوا بأن الأمر جد خطير . . خطير جداً.
وأن الطبيبة المتطوعة متورطة في جرم اثيم ....خاصة بعدما تعرضت المادة السائلة بالكبسولة للتحليل، واتضح أنها سم السبانيد الذي تكفي نقطة واحدة
منه لقتل فيل بالغ.
،،
لقد كان لا بد من تركها هكذا لعدة أيام بدون استجواب، حتى تنهار إرادتها إلى الحضيض من ناحية، ولمحاولة امتلاك أدلة مادية من ناحية أخرى.
وعلى ذلك . . قام فريق متخصص بتفتيش شقتها تفتيشاً غاية في الدقة. . ولعدة مرات فشل في العثور على دليل واحد يدينها، فالعميلة المدربة ..
،،
وبرغم خوفها الشديد، وجدت أمامها الفرصة الطويلة لإزالة أي آثار أو أدلة قد تقودها إلى الموت. ولم تترك خلفها سوى المصحف الشريف وقد انتزعت من منتصفه عدة صفحات، هي في مجملها كل سورة "بني إسرائيل"، وصفحة ونصف من سورة "الكهف" وكان هذا الأمر يمثل لغزا محيراً لرجال رصد، الذين
فشلوا في "رصد" العميلة دون أن تلقي بظلالها عليهم.
،،
كان جهاز الأمن والمخابرات - رصد - يعمل في تلك الفترة تحت قيادة أبو إياد "صلاح خلف" برئاسة علي حسن سلامة رئيس العمليات
والدينامو المحرك والعبقري الفذ.
ويعد الجهاز أكثر العناصر المكونة سرية داخل منظمة التحرير، فهو جهاز الاستخبارات الأولية، وعمليات مكافحة الجاسوسية، وبه وحدة سرية
للعمليات الخاصة، وله مكاتب في كل من لبنان ومصر
والأردن والكويت وسوريا.
،،
ويصعب تقدير عدد أعضائه على وجه الدقة. وأبو إياد هو معلم الجواسيس الأول في منظمة التحرير ، والمسؤول عن أمنها وجهازها السري، وهو أيضاً
حلقة الاتصال الرئيسية بينها وبين الجبهات المعارضة، وأحد العناصر
الضالعة في تخطيط وتنفيذ عملية ميونيخ، وكان هو الذي أمر في 1973 بالاستيلاء على السفارة السعودية في الخرطوم وقتل السفير الأميركي ونائبه، كما لعب دوراً رئيسياً في حادث مقتل السفير الأمريكي فرانسيس ميلوي في بيروت عام 1976، وكذلك في عشرات العمليات المسلحة الأخرى.
،،
وما إن وضع أمام أبو أياد تقرير كامل عن أمينة المفتي، حتى زم شفتيه ملقياً برأسه إلى مسند كرسيه، ينظر إلى حلقات دخان سجائره المتشابكة
في صمت طويل . .
وقال لسلامة في وجوم: يجب ألا نعاقب امرأة عربية دون أدلة قطعية قوية تؤكد إدانتها. فلننتظر تقرير رجالنا في أوروبا.وحتى يصل التقرير
فلا عقاب ولا استجواب.
،،
هكذا قبعت أمينة في زنزانتها المظلمة بباطن الأرض تترقب الموت ببطء، وتنسل من عروقها نبضات القوة رويداً رويداً، حتى استحالت الدقائق
عندها إلى جحيم ما بعده جحيم .
وانقلب الانتظار إلى وحش مسعور يفتك بعقلها .. وبوجدانها وكأنه العواء
كان رجال المخابرات الفلسطينية في أوروبا يلهثون خلف الشاب الفلسطيني العابث، يرافقهم الشاب الآخر صاحب البلاغ، والذي استقدموه من فرانكفورت رأساً إلى فيينا. فهو الوحيد الذي يمكنه التعرف عليه بسهولة.
،،
هكذا جابوا شوارع فيينا وحدائقها ومواخيرها دون جدوى، وكأنما
انشقت الأرض وابتلعته. ولم يكن أمام الرجال إلا طريقة واحدة - غاية في الخطورة – لاستجلاء الحقيقة من مصادرها الرسمية، وهي البحث عن
سجلات مكتب "الزواج من أجانب". وكان الخوف كل الخوف من
لفت انتباه رجال الموساد في النمسا إلى ما ينقبون عنه، لذلك
كانت عملية البحث تتم تحت ستار كثيف من السرية . . والتكتم.
،،
وبواسطة خطاب مزور صادر عن السفارة الأردنية في فيينا، يخاطب
إدارة مكتب الزواج من أجانب، أمكن الوصول إلى
عنوان شقتها وإلى حقيقة الزواج المحرم.
،،
وفي الحال طار أحد الضباط إلى بيروت يحمل صورة رسمية من عقد الزواج، في ذات الوقت الذي اقتحم فيها رجال رصد شقة أمينة المفتي بفيينا، حيث عثروا على أجندة متوسطة الحجم، سجلت بها أمينة مذكراتها وتفاصيل عملها في
بيروت قبل رحلتها التدريبية الأولى في الأرض السليبة.
،،
كذا انكشف الأمر دون أن يلاحظ رجال الموساد المنتشرون في النمسا أي شيء
أو يخطر ببالهم أن رجالاً يفوقونهم ذكاء ينقبون عن
ماض غامض لعميلتهم المدربة.
تجمعت كل الأدلة على مكتب أبو إياد الداهية، ولم يكن أمامه سوى
محاصرة أمينة والسيطرة عليها، لتكشف النقاب عما أبلغته
للموساد، ودورها الحقيقي في ترصد حركة المقاومة، خاصة بعد
فشل عدة عمليات فدائية كان وراءها جاسوس خفي، وأيضاً. . لترشد عن
بقية أعضاء شبكتها في بيروت أو خارجها.
،،
كانت هناك خطط عديدة لاستجواب الخونة والجواسيس يتبعها
رجال المخابرات الفلسطينية. أما والحالة هنا لامرأة عربية خائنة فالوضع يختلف.
إنها إحدى الحالات النادرة التي تواجه أبو إياد ورجاله.
لذلك، اقترح علي حسن سلامة الاعتماد على خطة جديدة تناسب الحالة، تقوم على إيهامها بأن زوجها موشيه كان أسيراً لدى السوريين، وقد أُطلق سراحه منذ أيام ضمن فريق من الأسرى في عملية مبادلة نشرت عنها الصحف.
وكان الغرض من كل ذلك إشعار الجاسوسة بعقدة الذنب، لتحس بالندم الشديد على ما ارتكبته فتعترف بلا إكراه أو تعذيب.
وعلى ذلك . . .
سربوا إليها إحدى الصحف اليومية وقد تصدرت صفحتها الأولى صورة
زوجها الأسير وسط العديد من زملائه، قبلما يغادرون سوريا إلى
فلسطين برفقة رجال الصليب الأحمر.
،،
كانت هناك بالطبع نسخة وحيدة لتلك الصحيفة طبعت خصيصاً
لأجل المهمة المحددة.
وما إن قرأت أمينة الخبر، حتى لفها صمت غمس بالذهول، وقد جحظت عيناها لهول الصدمة والمفاجأة، وانطلق من جوفها صوت نحيب رتيب كأنه العواء.
،،
وليس هناك أبلغ مما كتبته بنفسها عن تلك اللحظة الخطيرة من حياتها.
وهذا ما سوف نتعرف عليه تباعاً ..

،،
انتهى
الفصل الثامن

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:42 pm

الفصل التـــاســع

الأشباح في الزنزانة:

تقول أمينة في مذكراتها في السادس من سبتمبر 1975 ..
كنت أحاول أن ألملم ذاتي المبعثرة داخل زنزانة ضيقة حقيرة، مقيدة
بالجنازير إلى الحائط، عندما انفتح الباب في الصباح، ودخل الحارس
المسلح ذو الشارب الكثيف يحمل فطوري المكون من
رغيف وشريحة جبن مطبوخ، وجلس أمامي كالمعتاد
يتصفح جريدته، ويناولني قضمة بعد قضمة، عندما
لمحت الخبر بالصفحة الأولى :
يا إلهي . . إنه موشيه . . نعم موشيه . . صورته تتصدر الصفحة
ومن تحتها اسمه كاملاً.خيل إلي أنني أحلم . . أطير إلى الأفق وأكبو –
حلقومي يتشقق ورأسي تتأرجح غصباً عني.
وكأنني أفيق من غيبوبة الموت، رجوت الحارس أن يقرأ على ما كتب
فنهرني ساخراً .. لحظتئذ . . صرخت متوسلة إليه أن يقرأ.
فأغلق فمي بالرغيف ولطمني بقسوة على وجهي وهو يردد:
مالك والصحيفة أيتها المومس الحقيرة. . ؟
لفظت الرغيف وابتهلت اليه فبسط الصفحة أمامي على الأرض. .
فانحنيت أقرأ لا أصدق، حتى انكفأت على وجهي كالمنومة، أعض البلاط . . وألعق الحسرة . . والفرحة، وألعن عمراً ذاب في الإرهاق والغضب.
،،
لست أدري بالضبط كنه تلك الأحاسيس الجياشة التي اجتاحتني، خليط
عجيب من المشاعر تكاد تعصف بي، وتفتك برأسي.
كم كنت في شوق لأن أصرخ . . وأصرخ . . وأصرخ .. وأمزق وجهي بأظافري حتى يدمى، لكن يداي مشدودتان بالسلاسل، ولا قبل لي إلا بالصراخ، فصرخت . . صرخت من أعماق شراييني وأنسجتي، وجذبت قوة
صرخاتي من قلبي وأعصابي، إذ جثم على صدري حمل ثقيل من الندم . .
ينزف منهم الدم في فورة كالبركان، وينزلق على أرض الغرفة
فأحس به ساخناً لزجاً، يا إلهي . .
إنها أشباح عشرات الضحايا الذين قتلتهم بغبائي . . وقذارتي.
تطوف الأشباح من حولي ، ينبعث منها صوت هدير مخيف، فأضحك . . ثم أصرخ. . وأضرب رأسي في الهواء لأصرف الأشباح عني، وأفيق على
موشيه الحبيب . . جاء لينقذني من عذاباتي . . وإنحناءات عمري القاتلة
،،

مدرسة أبو داود :

في الثامن من ستبمبر 1975..
بعد تسعة أيام من اعتقالها، اقتيدت أمينة داود المفتي إلى مكتب أبو داود حيث جرى استجوابها بذات الأسلوب الذي استخدمه جهاز المخابرات الألماني – الجستابو – مع الأسرى والجواسيس أيام الحرب العالمية الثانية.
،،
وهو أسلوب يعتمد على التوسل بعلم النفس في كسر حدة الخوف
لدى الجاسوس، دون اللجوء إلى أي وسيلة من وسائل الضغط
أو التعذيب، مع محاصرته بوابل من المعلومات التي تم
جمعها عنه وعن رؤسائه، فيضطر مذعناً إلى الاعتراف بكل
ما لديه حيث يرى أنه لا ضرورة للإنكار، طالما انكشفت كل
الأسرار التي كان يعتقد أنها مجهولة.
،،
ولكي نشرح أسلوب أبو داوود في استجواب العميلة، علينا أن نقرأ
الشهادة الرسمية التي أداها الملازم "سكراف" من المخابرات الألمانية، أمام
هيئات التحقيق الأميركية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا.
،،
فقد شكلت في أمريكا هيئة للتحقيق مع بضع مئات من الطيارين
الأمريكيين الذين أسروا في ألمانيا النازية، وكانوا متهمين بالخيانة
وإفشاء الأسرار الحربية عقب أسرهم، ولكنهم نفوا جميعاً أنهم
تفوهوا بأي سر، كما أكدوا أن أحداً لم يضربهم أو يمتهنهم، وبالتالي
لم يحاول أي إنسان أن يرغمهم على الإدلاء بأي أقوال، وقد استدعى الأمر إحضار سكراف للمثول أمام إحدى هيئات التحقيق الأميركية، لاستجوابه في
شأن التقارير التي كان يرفعها بعد استجوابه لكل طيار أسير.
،،
وقد كان لشهادته هذه أكبر الأثر في تبرئة ساحة هؤلاء الطيارين.
يقول سكراف:
خلال سنين الحرب الطويلة المريرة، قمت منتصباً في وضع الانتباه ضارباً
كعبي أكثر من خمسمائة مرة، مؤدياً التحية العسكرية في أصح أوضاعها
لضابط طيار أميركي، شاء حظه أن يقع أسيراً في أيدي قواتنا.
،،
وكنت أقدم نفسي للأسير قائلاً في أدب وبشاشة:
سيدي . . أنا الملازم سكراف .. وأنا مكلف بسؤالكم بضع أسئلة،
هل لسيدي أن يجلس؟ . . من واجبي أن أذكرك بحقوقك التي تكفلتها لك
إتفاقية جنيف لمعاملة أسرى الحرب، فلك أن تجيب على
الأسئلة الثلاثة: اسمك . . ورقمك . . ورتبتك فقط
ولا شيء خلاف ذلك . .
سيجارة سيدي. . ؟ ... وهو يمد يده بعلبة السجائر للأسير ...!!!
،،
ويضيف الضابط الألماني:
مر على مكتبي جميع طياري المقاتلات الأميركية والبريطانية الأسرى، وكالمعتاد فقد أجابوا على الأسئلة الثلاثة عند بدء أسرهم، ثم أرسلوا إلى
بعد ذلك للحصول منهم على المعلومات اللازمة.
،،
وأستيطع أن أقرر أن كل فرد من الخمسمائة ضابط الذين مروا بغرفتي، قد أدلى بكل المعلومات التي طلب مني أن أحصل عليها منهم، دون إهانة أو
تعذيب، ذلك أنهم لقنوا عن الطريقة التي يتصرفون بها إذا ما وقعوا في الأسر، واحتمال التعذيب الشديد حتى يرغموا على الكلام.
،،
لكن . .
غاب عنهم الحالة النفسية التي يكون عليها الأسير بعد اكتسابه لهذه الصفة، لمجرد شعور المرء بأنه أسير تتولد عنده ضغوط شديدة تشعره بعدم راحة الضمير كأنه المذنب، حتى ولو كان أسره خارجاً كلية عن إرادته، فيظل موطناً نفسه على مقاومة كل وسيلة لاستجوابه، وكان علينا أن نستغل هذه الحالة في عملنا، بأن نتصرف في معاملة الأسير على العكس تماماً مما يتوقع.
،،

الحية الناعمة :

كان أبو داود ضابطاً من ضباط المخابرات الفلسطينية القلائل الذين تميزوا بأسلوب المهادنة في استجواب الجواسيس، وكان يرى أن تلك الطريقة هي
الأنسب لمعاملة هؤلاء الخونة لإشعارهم بمدى فداحة الجرم الذي ارتكبوه.
،،
ومن خلال المعاملة الحسنة، بدلاً من التعذيب الذي يتوقعونه، يمتلكهم الإحساس بالذنب فيعترفوا. لكن يبدو أن فلسفة الألمان أيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن ذات نفع مع جاسوسة محترفة مثل أمينة المفتي، التي دربت على كيفية مواجهة المواقف الصعبة، وترتيب الأفكار بحيث
لا تخطئ إذا ما اضطرت إلى سرد رواية ما مرتين.
،،
وكانت تمارين الذاكرة التي أجادتها تماماً خير وسيلة لها للتمسك بأقوالها دون تغيير، وبرغم نفاذ صبر أبو داود الذي واجهها بمذكراتها التي كتبتها بخطها وخبأتها في شقتها في فيينا، إلا أن الجاسوسة أنكرت كل شيء.
،،
وعللت كتابة مذكراتها بما تحويه من تفاصيل غاية في الدقة، بأنها
مريضة بالتوهم Delusion وبأحلام اليقظة، وقد تخيلت نفسها بالفعل
عميلة إسرائيلية في بيروت نظراً لخيالها الخصب الجامح، ولتأثرها الشديد
بقصة حياة الجاسوسة الهولندية الشهيرة مارجريت جيرترود "ماتا هاري"،
وابنتها الجاسوسة باندا ماكلويد.
،،
هذا فضلاً عن رغبتها في الانتقام من العرب لفقد زوجها موشيه، وعجزها عن تحقيق ذلك، مع شعورها المتزايد بالغربة والكآبة، وإحساسها بالاضطهاد Persecution كانت إجابتها المرتبة، وبكاؤها المستمر وتشجنات عضلات وجهها، أمر يدعو إلى الاحساس بالأسف، فهي تخرج من مأزق تلو الآخر وكأنما أيام الاعتقال الانفرادي التسعة، كانت بالنسبة لها الفرصة الذهبية
لترتيب الأفكار استعداداً للمواجهة المصيرية .
،،
لذلك ..
كانت شكلاً – في غاية الثبات أمام المحقق..
أما بالداخل . .
فهناك عمليات عقلية معقدة تتفاعل . . وتحلل . .
وتستنبط . . وتختزن . . وتتوهج.
فتطلب المزيد من الماء بالسكر لتمنح بدنها المزيد من القوة Energy واليقظة.
،،

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:42 pm

لكن ضابطاً كفئاً مثل أبو داود لم يكن من السهل أن يقنع
بصدق إجابتها، فهو رجل حاد الذكاء عظيم الخبرة في تخصصه، حصل
على دورات تدريبية عديدة على أيدي رجال المخابرات المصرية في تعقب الجواسيس، وقرأ كثيراً في علوم النفس والمنطق والطب العقلي، وتصنيفات الأمراض النفسية، وبرع في كيفية التعامل مع مرضى الخيانة والكذب، واستخلاص النتائج بعد تحليل دقيق للألفاظ والمدلولات.
،،
حتى اشتهر عنه امتلاكه لحاسة شم قوية تجاه الجواسيس، وقدرته الخارقة على اختراقهم والحصول على اعترافاتهم بسهولة، وإن اضطر في بعض الأحيان إلى تغيير منهجه في الاستجواب، بما يتناسب وثقافة المتهم وذكائه وقدرته
على المقاومة. فهو يستطيع أن يلعب بكل الكرات في تناسق
وتتابع كأنه فريق كامل في ملعب شاسع.
،،
هكذا تدرب أبو داود وأجاد . .
وكان عليه أن يحاصر أمينة بأسرع ما يمكن، لكي لا يحس أعضاء
شبكتها باختفائها الغامض فيفرون إلى خارج البلاد.
لكنه وقف حائراً أمام تلك المرأة الماكرة، التي استجمعت كل
قواها دفعة واحدة وقاومته بشراسة لم يعهدها. . كانت تدافع عن
مصيرها باستماتة من يوشك على الغرق.
،،
فهي تعلم في قرارة نفسها أن مستجوبها أشد منها ذكاءً وحدة . .
وأشرس منها صلابة وقوة.
ندان متضادان كل منهما يسعى إلى هدف مغاير للآخر. ثمانية عشرة ساعة متصلة وأمينة لا زالت كما هي . . لم تضعف أو تنهار..
أو حتى تبدل كلمة واحدة من أقوالها. . وأبو داود يسألها السؤال نفسه عشرات المرات في دهاء وحنكة، وهي تجيب في مراوغة واستبسال.
،،
فكانت إجاباتها كلها متناسقة ماعدا نقطة واحدة لم تكن أبداً مقنعة، ألا وهي
سم السيانيد، حيث بررت وجوده معها بأنها مصابة بالجنون الدوري Cyclothynia ، وهذا الأمر يسبب لها مضايقات وتشنجات تدفعها
للتفكير بالانتحار.
،،
ولما كان سم السيانيد غير متواجد بالأسواق أصلاً، وتستخدمه فقط أجهزة المخابرات للتخلص من ضحاياها، فقد كان الأمر مثيراً للشك
ولا يقبل تأويلاً هشاً كالذي جاء على لسان أمينة.

ومن هنا . .
لم تكن أمام أبو داود سوى أساليب الاستجواب المعتادة، بعدما فشل في انتهاج نظرية الجستابو معها، وهي اللجوء إلى العنف والتعذيب، وقد كان كارهاً لذلك جداً إلا أنه اضطر إلى ذلك غصباً عنه، فهو كما قال يتعامل مع
حية ناعمة الملمس. . كلما حاول الإمساك بها انزلقت من بين أصابعه هاربة.
وأناب عنه زميله "أبو الهول" للتحقيق معها.

،،
انتهى
الفصل التاسع

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:47 pm

الفصل العاشر
قنبلة من الغضب :

كان رجال الموساد في غاية القلق والتوتر، فأمينة اختفت في بيروت
قبل أن تتمكن من الهرب إلى دمشق.
لقد كانت غارقة في الذعر والهلع، وهو الأمر الذي يجعل الجاسوس في
قمة حالات ضعفه وتفككه، فتسهل بذلك السيطرة عليه أثناء التحقيق، ومهما
حاول التماسك واستجماع جرأته، فهو حتماً سينهار في النهاية
ويعترف بكل شيء، ويرشد بسهولة عن أعضاء شبكته.
،،
وعندما أكد عملاؤهم في بيروت أن مانويل ومارون وخديجة طلقاء ولم يتم اعتقالهم، كان الأمر بالنسبة اليهم يعني إما أنها لم تعترف بعد، أو أن الثلاثة
تركوا كشرك لاصطياد كل من يحاول الاتصال بهم. وربما كان الأمر
برمته مجرد خطة خداعية متعددة الأطراف.
،،
هكذا وقع رجال الموساد في تل أبيب في حيرة بالغة، وأمروا عيونهم في
بيروت بالابتعاد تماماً عن الثلاثة الطلقاء مهما كان السبب.
فهم يعلمون مدى شراسة المخابرات الفلسطينية في معاملة الجواسيس الأجانب حين استجوابهم، فما بالك والحالة هنا لجاسوسة أردنية خدعتهم
وامتزجت بقادتهم، وتجولت بكل الأماكن العسكرية المحظورة في لبنان؟؟
،،
كانت المشكلة عند الموساد أكبر بكثير من مجرد سقوط إحدى عميلاتها، المشكلة الحقيقة تكمن في حالة الهلع التي ستصيب بقية عملائهم في لبنان إذا
ما نشر الخبر في الصحف، ساعتئذ فقط قد ينكشف آخرون
أفلت منهم زمام الجرأة وانكسرت صلابتهم..وباتوا عرضة لهدم
شبكات صهيونية عديدة في بيروت تعمل في أمان بعيداً عن
الخوف ..الذي هو داء الشجاعة وقاتلها.
،،
إذ عادة ما تكون الشجاعة التي يتحلى بها الجواسيس شجاعة هشة مصطنعة
لا أرض صلبة لها أو جدران. تماماً هي كالسراب الذي تراه أيام القيظ في الصحراء . . مجرد وهم خادع.
،،
أما أمينة المفتي . . فيالها من امرأة عجيبة . . متماسكة. فبرغم ابتلاعها طعم بقاء موشيه حياً ومبادلته بأسرى سوريين، إلا أن إحساسها بالذنب لم
يطغ عليها أو يفتك بضميرها.
،،
لقد تقمصت شخصية أخرى أمام المحقق، وبدت بريئة مريضة بالوهم، وما كانت في حقيقتها إلا متخمة بالخيلاء Conceit والعظمة، فسيطرت عليها
أوهام الانتصار، وترقبت مظاهر البطولة التي تنتظرها في الأرض المحتله، وستراها جلية في عيني زوجها العائد من الأسر.

كانت تريد أن تؤكد له أنها امرأة أحبت . . وزوجة أدمنت العشق حتى الثمالة . . ومزقها غيابه إلى ألف قطعة، تحولت كل واحدة منها إلى قنبلة من الغضب . . ستنفجر حتماً في جسد العرب.
،،
أما قلبها..
فكان بركان ينفث حممه في وجه البشر..وصراخ لوعتها عليه
يصم أسماع الكون ويمزق سكونه.
وفي حبسها الانفرادي كانت تستعد للمعركة القادمة . .
وتشحن ذاتها بكل ما تبقى لديها من قوة ومناورة، وتعيد تنظيم
خطوط دفاعها أملاً في الإفلات.
،،
فقد كانت تعلم بأن أدلة إثبات خيانتها هشة ومن السهل تفنيدها. كذلك لم
يضبط بعد أحد أعضاء شبكتها فيعترف عليها.لذلك وطنت نفسها على
المقاومة والاستبسال في الإنكار والدفاع.
،،
فحتماً . .
سيضيقون بها ولن يكون أمامهم سوى طردها خارج بيروت.
لكن المفاجأة
التي لم يتوقعها أحد مطلقاً، أن سلطات الأمن اللبنانية تدخلت، وأجبرت الفلسطينيين على الإفراج عن المعتقلة لتقوم هي بالتحقيق معها.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:48 pm

لقاء في عالية:

هكذا خرجت أمينة المفتي – وكما توقعت - منتصرة من حبسها، وتسلمتها السلطات اللبنانية التي رأت أنها بريئة، وأن الشكوك التي طالتها
باطلة مجحفة. وأنها طبيبة عربية مخلصة لوطنها العربي أيما إخلاص.
،،
وكان أن خيرتها ما بين البقاء في بيروت أو مغادرة لبنان مع
وافر الشكر ، فاختارت أمينة أن تغادر إلى فيينا، وطالبت بوثيقة
سفرها التي احتجزها الفلسطينيون.
،،
لقد رأى أبو إياد وعلي حسن سلامة وأبو داود، أن يسلموا أمينة للبنانيين احتراماً لسيادة الدولة اللبنانية، لكي لا تزداد الخلافات حدة، وتتصاعد في وقت
كانت فيه الحرب الأهلية مشتعلة وفي طريقها لأن تدمر العلاقات الطائفية تماماً.
،،
لكن . .
كانت لقاءات عديدة ومطولة قد تمت في عالية بين أبو إياد والشيخ بهيج تقي الدين وزير الداخلية اللبناني، لمحاولة الاتفاق على التعاون الأمني بينهما للحد من جيوش الجواسيس التي تجوب لبنان دون خوف.
،،
وفي اللقاء الأخير...
كان الوزير يجلس على الأرجوحة في حديقة منزله الصيفي وبيديه مسبحة طويلة يلعب بحباتها في هدوء، وهو يستمع بانتباه كبير إلى ما يقوله أبو إياد:
إذا لم نتعاون يا شيخ بهيج فهناك خطر يهددنا ويهددكم معنا.
إن التنسيق بين أجهزة الأمن اللبنانية وأجهزة أمن المقاومة أصبح أكثر
من ضرورة . . لقد أصبح واجباً وطنياً.
،،
ويوافق الوزير على كلام القائد الفلسطيني . .
ويتابع القائد:
نحن على استعداد يا شيخ بهيج أن نضع معلوماتنا بتصرفكم. إن أجهزة رصدنا في الخارج وخاصة في أوروبا قوية، ونستطيع إذا تعاونا معاً أن نفسد أكثر من مخطط. فنحن لا نستطيع أن نعمل بمفردنا في لبنان، وأنتم لا تستطيعون
العمل بمفردكم...!! علينا أن نتعاون.
،،
ويوافق الشيخ بهيج مرة أخرى ويتابع أبو إياد:
أعذرني على صراحتي سيادة الوزير، فالقضية خطيرة . . خطيرة جداً وأخطر مما تتصور. فنحن عندما قبضنا بعد عملية فردان 1973، على الفرنسي إيف رينيه دي توريس صاحب مطعم – إيف لي ميشو - كانت معلوماتنا تؤكد بأنه ضالع في العملية، وأنه يعمل لحساب الصهاينة في لبنان.
،،
وبالصدفة . .
كان ببيروت مخرج جزائري من المتعاطفين مع
حركة المقاومة اسمه محمد بوضياء.
ولأن بوضياء يتقن الفرنسية فقد طلبنا منه أن يساعدنا في التحقيق مع الفرنسي. وبعد أن كاد الفرنسي أن يعترف قامت علينا القيامة، واشتد الضغط
واتهمنا بأننا نمارس سلطات الدولة اللبنانية. فاضطررنا إلى
إطلاق سراحه، وسلمناه إلى السلطات اللبنانية مع ملفه الكامل لكي تتابع
التحقيق معه، لكننا فوجئنا بإطلاق سراحه بعد 24 ساعة من
تسليمه، وبالسماح له بمغادرة لبنان إلى فرنسا.
،،
وبعد شهر واحد تسلمنا رسالة من بوضياء يقول فيها بالحرف الواحد :
( ليس من قبيل الصدفة أن أصطدم بالفرنسي دي توريس الذي حققت معه
في بيروت، في كل مكان أذهب اليه في باريس . . ).
وبعد يومين من تسلمنا الرسالة، أغتيل بوضياء في باريس بعبوة ناسفة في سيارته.
،،
وقبل أيام . .
ألقينا القبض على طبيبة أردنية تؤكد معلوماتنا أنها تتعامل مع الموساد،
ومن جديد .. قامت القيامة فسلمناها مع ملفها إلى السلطات اللبنانية،
ومن جديد ..سمح لها بمغادرة بيروت إلى فيينا.لكننا. .سيادة الوزير الموقر. نطلب منكم مهلة للتحقيق معها مرة أخرى..مهلة بسيطة لن تستغرق أكثر من
ثلاثة أيام سنطلعكم بعدها على ما انتهينا اليه.
،،
لقد كان هناك رجل يحمل الأوراق المغربية، اعترف لنا اعترافات كاملة بأنه عميل للصهاينه وجاء للبنان أكثر من مرة للتجسس على أخبار المقاومة.
ولدينا ملفات عن أكثر من عشرين عميلاً يحضرون إلى لبنان وينزلون في
أفخم الفنادق على أنهم رجال أعمال، نحن نعرفهم واحداً واحداً، واسماً اسماً، ونعرف أنهم عملاء، ولا نطلب منكم أن تعتقلوهم أو تحققوا معهم، ولكن
نطلب فقط منعهم من دخول البلاد.
،،
إنه إجراء بسيط سيدي الوزير، فنحن أيضاً لا نريد اعتقالهم حرصاً على
السيادة اللبنانية، ولكننا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقف
مكتوفي الأيدي وحياتنا مهددة بالخطر.
كان الشيخ بهيج تقي الدين يستمع إلى أبو إياد في ذهول. وما أن أنهى القائد الفلسطيني كلامه حتى وافق الوزير فوراً على مطلبه الخاص باعتقال أمينة المفتي مرة ثانية، والبحث في أمر العملاء الآخرين تمهيداً لمنعهم من دخول لبنان.

وهكذا . .
عادت أمينة داود المفتي إلى الجانب الفلسطيني، دون تدخل لبناني
تحت أية ظروف في التحقيق.

كهف السعرانة:

حبست أمينة مقيدة بالجنازير داخل زنزانتها الأولى بباطن الأرض، تمهيداً لاستجوابها بأسولب مغاير، يدفعها لأن تعترف بالحقيقة كاملة، وترشد عن
شركائها في شبكة الجاسوية.

لكن . .
كانت هناك رؤية أمنية تحبذ نقلها إلى خارج بيروت، بعيداً عن رحى الحرب الأهلية المشتعلة، وتحسباً لأية نوايا صهيونية خاصة بعد عملية فردان المشؤومة، واستغرق التفكير في مكان حجزها ساعات طويلة من الليل، ضمت أبو إياد، وعلي حسن سلامة، وأبو داود، و أبو الزعيم - في اجتماع خطير
لتحديد مصير العميلة الخائنه .
،،
لقد جلس أبو إياد صامتاً كعادته يشعل سيجارة من أخرى، تنتقل عيناه
بين الرجال الثلاثة وهم يتجادلون، ويستعرضون الأماكن التي
تصلح لإخفاء العميلة الماكرة.
،،
كان علي حسن سلامة يرى أن إبقاءها في المكان نفسه هو الأصوب، حيث تحيط بالمبنى الأسوار العالية، ومباني منظمة التحرير الفلسطينية في حي الفكهاني، لكن أبو الزعيم تشكك في كون المكان آمناً بالدرجة الكافية، فقد تخطط الموساد لاختطاف أمينة لرفع معنويات جواسيسها في لبنان، وللانتقام من علي حسن سلامة - الأمير الأحمر الذي أمرت الشمطاء جولدا مائير بإعدامه ثأراً لعملية ميونيخ، وأيضاً . . لاغتيال الفدائيين الثلاثة - عدنان وجمال الجاشي،
وأبو العيسى - أبطال مذبحة ميونيخ الذين بقوا على قيد الحياة، ويقيمون تحت حراسة مشددة بمقر الجبهة الديموقراطية المحاور.
،،
أما أبو داود فقد اقترح أن يتم نقلها فوراً إلى وادي البقاع حيث لن تستطيع الموساد التوصل إلى مكانها، ويكون الأمر محاطاً بالسرية المطلقة تحسباً للوشايات، وبعيداً عن الخونة الذين يضعفون أمام الاغراءات الصهيونية
من بين صفوف الفلسطينيين أنفسهم.
،،
وعند هذا الحد من الحديث نطق أخيراً أبو أياد وقال إن الأمر لا يستدعي كل هذا الخلاف، فعملية نقل أمينة من حبسها الآمن في بيروت إلى مكان آخر ليس الغرض منه الخوف من الصهاينة ، فهم لن يجرأوا على القيام بعملية
كوماندوز أخرى مشابهة لفردان، لعلمهم بأننا اتخذنا شتى التدابير الأمنية
لحماية منشآتنا ومقار إقاماتنا، وعيونهم التي تجوب شوارع بيروت
بمختلف الجنسيات تنقل اليهم تلك الحقيقة وتؤكدها.
،،
إنما التفكير في عملية نقل أمينة لجهة أخرى يرجع إلى كونها امرأة استشعرت الأمان في محبسها الحالي، ووضعت خطط دفاعها أمام مستجوبيها، ونقلها لمكان آخر أمر في حد ذاته محير بالنسبة لها: وسيشعرها بالخوف لأنها
تجهل ما سيحدث معها وطالما هي خافت فقد فقدت تركيزها.
،،
وأرى أنه للوصول إلى اعترافات سريعة منها، يجب نقلها إلى مكان موحش وليكن كهف من كهوف الجنوب، فالتمسك بالحياة حتماً يدفع المرء لأن
يضحي بكل ثمين. واعترافها بالتجسس لصالح اليهود لن يكون أبداً أثمن عندها
من حياتها. ففكروا معاً في أي كهف ستأخذونها اليه.
،،
عندئذ . .
تهللت الوجوه استحساناً لرأي القائد، وجيء بخارطة كبيرة للجنوب اللبناني انكبوا عليها يفحصون عدة مواقع، إلى أن انتهوا إلى موقع كهف يقع إلى
الشرق من جسر القاسمية بين صيدا وصور، يبعد عن ساحل
البحر المتوسط حوالي تسعة عشر كيلو متراً. أطلق عليه سكان المنطقة اسم "كهف السعرانة"، وتقع بالقرب منه بعض معسكرات منظمة التحرير الفلسطينية.


انتهى
الفصل العاشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:49 pm

الفصل الحادي عشر
مقابل شربة ماء :

لمسافة ثمانين كيلو متراً أو يزيد، انطلقت في الليل السيارة الجيب التي تقل
أمينة المفتي إلى محبسها الجديد. كانت الأسيرة المغماة متهالكة تماماً لحرمانها
من الطعام طوال يوم كامل، وما إن غادرت السيارة يتأبطها جنديان مفتولا العضلات، أحست بقشعريرة مخيفة تسري بأوصالها.
،،
فالمكان شبه خاو بلا حركات، صوت الأقدام الصاعدة وهي ترتطم بالصخور والحصى يزيدها هلعاً. قالت في وهن أنها جائعة فقيل لها أن لا طعام لديهم.
كان الصعود شاقاً والأعصاب مرهقة تنبض بالتوتر، ونادراً
ما تنامت إلى مسامعها أصوات غريبة.
،،
لكن هيئ لها أن هناك أياد أخرى عديدة ساعدت في صعودها إلى المرتفع.
حتى إذا ما وصلت إلى نقطة ما. . أزالوا الكيس الأسود عن وجهها،
لتصطدم بعدد جرار من الضباط والجنود واقفين في جمود
وامتعاض تتدلى الرشاشات من أكتفاهم.
،،
وعندما اقتادوها إلى الداخل أدركت رغم الإضاءة الباهتة أنها
بداخل إحدى المغارات. لكنها فشلت في تخمين موقعها . .
أفي الشمال هي أم بالوسط أو بالجنوب؟
كانت تحس بدوار عنيف كمن فقد اتجاهه واتزانه، واستسلمت للأيدي التي تدفعها بقسوة إلى عمق الكهف الممتد بباطن الجبل تتدلى صخوره كالأشباح المعلقة، وتبدو نتوءاته في ظلال الضوء المتحرك كجنيات الأساطير المرعبة. .
،،
وفجأة . .
شق الصمت القاتل المحيط بوقع الأقدام صراخاً مريراً..
كأن هناك من يقد اللحم من جسد حي. وكلما اقترب مصدر الصراخ ابتعدت إرادة الأسيرة وذهب عقلها. فتصبب منها العرق المالح . .
وارتعد الجسد الناعم المنهك السخي بالأنوثة . .
ففقدت إلى الأبد بصيص أمل في النجاة، وبينما يتشقق حلقومها الجاف المر الرضاب، انطلق بولها غصباً عنها ساخناً يزيد الجسد جفافاً وانطفاء، ويولد لديها أقصى مشاعر الرعب والهلع، عندما وقفت أمام مشهد مروع أطلقت المرأة صرخة سحبتها من جذور أظافر أصابعها حتى شعر رأسها.
،،
مشهد هو بحق أفظع من وصف مذبحة بشرية حية. فقد رأت أمينة المفتي فتاة علقت من ساقيها إلى الحائط، تمتد خيوط الدم من كل موضع في جسدها لتتجمع في النهاية في بقعة متجلطة أسفل رأسها، وشعرها الطويل المدلى يصل حتى لقرب البقعة تفور منه صنابير الدماء المتفجرة. .
وأفاقت أمينة على صوت القائد كأنه الصاعقة:

أيتها العاهرة . . ارتدي البنطلون والسترة.
"هكذا ترتدي النساء المعتقلات، لكي لا تظهر عوراتهن أثناء التعذيب"
وأشار إلى أحد الجنود: حل قيودها حتى تبدل ملابسها.
سخرت أمينة في حسرة من نفسها . .
فقد كان جسدها العاري لوقت قريب يذيب العقول. الآن تقف عارية
وعشرات الأعين ترقبها، لكنها تنظر إليها باختلاف عما اعتادته
هي من نظرات الجوعى.
،،
"يالكم من رجال أغبياء لا تدركون لسع أنوثتي .. وجحيمها.
لو أنكم مائة رجل لأسلمت لكم نفسي . . طواعية . . طواعية . . مقابل
شربة ماء. . وشريحة خبز صخري أسود".
هكذا قالت في داخلها . . وهي تقف مسلوبة الإرادة بالملابس العسكرية التي ارتدتها، ترمقهم في انكسار وهم يدقون الحلقات الحديدية
بالجدار ليعلقوها كزميلتها.
،،
لكن القائد الصارم الوجه قال بحسم:
كبلوا يديها ورجليها على خلاف حتى يجيء أبو الهول " ضابط مخابرات فلسطيني محترف ترأس بعد ذلك مخابرات فتح"
هكذا ربطت أمينة بالجنازير إلى الحائط، وحمل الجندي في تأفف ملابسها الداخلية المبتلة، في ذات الوقت الذي وصل فيه الطبيب لتضميد جروح زميلتها.
،،
وما هي إلا دقائق حتى انصرف الجميع، وخيم الصمت والظلال على
المكان الموحش فازداد وحشة. وكان أنين الفتاة الأخرى هو مرآة الرعب بعينيها، وصدى الخوف في كهف السعرانة الذي تحال من حوله قصص خرافية،
عن امرأة عقرها كلب مسعور فطفقت تجوب الوديان والجبال مسعورة،
يطاردها الناس بالعصى والحجارة حتى التجأت إلى الكهف الذي
سُمي باسمها ووجدت به ميتة.
،،

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:50 pm

السقوط في الفخ :

كان الوقت قرب الفجر عندما أفاقت الفتاة، وأخذت تهذي باللغة الفرنسية التي كانت أمينة تجيدها فانتبهت الأسيرة إليها وقد خرجت عن محيط الهلع الذي غلفها، لقد حاولت أمينة طوال ساعتين أن تتحدث مع الفتاة دون جدوى.
وما إن نطقت الأخيرة ببضع كلمات حتى صاحت أمينة بالفرنسية:

عزيزتي . . حسبتك عربية مثلي.
كان الظلام شديداً جداً بداخل الكهف.
وبرغم ذلك كانت أمينة تتجه بوجهها ناحية الفتاة وتبحلق في انتباه،
وجاءها صوت ضعيف واهن تمتزج به حشرجة تتأرجح على اللسان في صعوبة:

أأنت عربية. . ؟
نعم . . من الأردن . . لماذا يفعلون بك ذلك .. ؟
حظي المشؤوم يا عزيزتي . . حظي هو الذي جاء بي إلى هنا.
فرنسية أنت؟
من شيربورج على بحر المانش.
لماذا أنت هنا. . ؟
قصة طويلة لن أستطيع سردها.
كل ما أطلبه منك أن تحفظي هذا الرقم جيداً، ولا تنسيه أبداً إن أطلقوا سراحك. إنه تليفون أمي في فرنسا.
أولن يطلقوا سراحك؟
لا أظن . . فهم أناس متوحشون لا يعرفون الرحمة.
أرجوك . . ساعديني وقصي علي حكايتك قبلما يجيئون ..
ما اسمك أولاً يا أختاه . . ؟
سيمون . . سيمون دوابرفيه . . وأنت . .؟
أنا أمينة . . أمينة المفتي. طبيبة متطوعة في لبنان. اعتقلوني بتهمة
التجسس لحساب الموساد.
أوه . . يالحظك السيىء . .هل فعلوا معك مثلي؟
من .... ؟
رجال الموساد هؤلاء الأوغاد الأغبياء. طلبوا مني أثناء سياحتي في
فلسطين أن أصور لهم ميناء صيدا ومخيمات اللاجئين، ومنحوني خمسمائة دولار مقدماً وكاميرا تلسكوبية.
وبينما أقوم بمهمتي اعتقلني الفلسطينيون
وعذبوني لأرشدهم عن بقية أعواني في لبنان مقابل إطلاق سراحي.
أوأرشدتهم. . ؟
أقسمت لهم ألف مرة بأنني لا أعرف أحداً بلبنان لكنهم لا يصدقون.
عشرة أيام هنا في الكهف اغتصبني أثناءها ثلاثون كلباً منهم، وماذقت سوى الخبز الجاف والماء العطن.
لقد ضيعت نفسي بغبائي وحماقتي وحتماً سيقتلونني هنا.

"انفجرت في بكاء هستيري" – أرجوك . . أمي ستموت حزناً لأنني وحيدتها.. اتصلي بها واخبريها بما حدث لي "وذكرت رقم الهاتف".
أنا لا أضمن لك ذلك "بيأس" فمصيري أنا الأخرى مجهول. .
ومظلم كهذا الكهف الكريه.

هل يشكون بك أيضاً.. ؟ إنهم أناس مرضى بالشك.
نعم. . يشكون بي ولا دليل واحد لديهم.
بهمس..
أخدعك رجال الموساد مثلي. . ؟ لقد أقنعوني بأن الفلسطينيين أغبياء . .
وفي حالة انكشافي فلن يتركوني بين أيديهم أبداً، وسيخطفونني كما
خطفوا إيخمان النازي من الأرجنتين.

هم قالوا لي أكثر من ذلك "هكذا سقطت أمينة في الفخ" ووعدوني بألا
يمسني أحد مهما كانت ظروف اعتقالي .
بهمس:
لا تعترفي بأي شيء لهم فكلما اعترفتي طلبوا المزيد ...والمزيد واطلقوا
كلابهم تفتك بك في ضراوة .
أخشى ألا يرحموني.
سيعدونك بإطلاق سراحك: لأنك أجنبية، إذ أرشدتهم عن شركائك. لكنهم
لن يفوا بوعدهم . . لن يفوا أبداً.
وفجأة ...
يا الهي . .وبذعر شديد صرخت : لقد ...
،،




فجر الحياة :

قطع الحوار بينهما وقع أقدام ثقيلة تقترب، وسرعان ما ظهر ثلاثة
ضباط يتبعهم عدد من الجنود يحملون الكشافات المبهرة، تجاهلوا أمينة واتجهوا إلى الفتاة الفرنسية على بعد أربعة خطوات منها، وكانت المسكينة
ترتجف في رعب، تلهث عيناها الزائغتين بحثاً عن شعاع أمل
لإنقاذها، لكن الضابط الكبير الذي كان يبدو متبرماً عجولاً، أمر أحد مرافقيه
أن يسألها لآخر مرة عن أعوانها في لبنان، ولما أجابت بالنفي أشار بيده
في حركة ذات مغزى، فاصطف أربعة جنود يحملون بنادقهم الآلية،
واتخذوا وضع الاستعداد وقد جذبوا أجزاء الرشاشات.
،،
وانطلقت الرصاصات إلى صدر الفتاة فافترشت الأرض كومة من حطام.
وامتد صراخ أمينة يشرخ جدران الكهف الصخرية، ويتموج ملتاعاً في جوف الليل إلى عنان الفضاء، صراخ هيستيري متواصل يحمل أبشع مشاعرها رعباً وهي التي تعودت التوحش والسادية، وانتزعت ما بداخلها من
نبضات رحمة وحنان. عندئذ قال أحد الضباط لقائده:

سيادة العقيد أبو الهول . . ألا نعدمها هي الأخرى؟
أجاب أبو الهول على الفور:
لو لم تتكلم قبل منتصف النهار، فلن نجد حلاً آخر.
ومشيراً إلى الجنود في قرف:
إرموا الجثة خلف الجبل، ودقوا رأسها بالصخور.

غمرت الكشافات جثة الفتاة الغارقة في دمها، وهنا . . هنا فقط . .
عندما سحبوها من ذراعيها إلى الخارج، ووقعت عينا أمينة على المشهد المروع،
انهارت تماماً . وفقدت آخر قلاع دفاعاتها،
وصرخت في ذلك وضعف تستغيث:
سأتكلم . . سأقول لكم كل شيء . .
أخرجوني من هنا لأنني خائفة من الدم . . أخرجوني لأتكلم.
وبصوت أجش صاح فيها أبو الهول:
أنت كاذبة . . ومخادعة . . وستضيعين وقتنا هراء.
وبحسم قال آمراً:
علقوها من ساقيها واضربوها بالكرباج.
وتحرم من الماء والطعام حتى أعود قبل الظهر.

وعند مدخل الكهف. .
كانت الفتاة الفرنسية تقف في زهو، وقد علت وجهها ابتسامة رقيقة تتخلل الدم المستعار، وعندما أدركها أبو الهول ، ربت على كتفها وقال وهو ينظر بعيداً
حيث الفجر الوليد:
انظروا إلى صديقتنا فرانسواز. . إنها حقاً قامت بمعجزة. ونحن جميعاً نجلها لإخلاصها لنا. إنه إخلاص نقي بريء. . يشبه الفجر . .

فجر الحياة . ونطقها بالفرنسية L’autre de la vie .


انتهى
الفصل الحادي عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:51 pm

الفصل الثاني عشر

طريق الخلاص :

وبينما يغادر العقيد أبو الهول كهف السعرانة ترافقه فرانسواز كاستيمان، كان صراخ أمينة لا يزال يتردد عالياً عبر الجنبات موشم بالهلع: أخرجوني . . سأتكلم . . سأعترف. لكن الجنود كانوا قد شرعوا في تنفيذ أوامر قائدهم، إذ كبلوا قدميها بحزام عريض من الجلد، وعلقوها كالشاه إلى سقف الكهف بواسطة سلسلة حديدية، وانهالوا على جسدها ضرباً بالكرابيج.

،،
هكذا رسم الضابط الذكي خطته المحبكة لانتزاع اعترافاتها بأسرع ما يمكن، معتمداً أولاً على المتطوعة الفرنسية المخلصة في بث الرعب بقلب أمينة لتطويعها، واللجوء إلى التعذيب الشديد ثانياً لتخور تماماً . .


وفي خلال ساعات معدودة. فقد كان هناك وعد، أبو اياد لوزير الداخلية اللبناني الشيخ بهيج تقي الدين: بإنهاء التحقيق مع أمينة خلال ثلاثة أيام فقط، تسلم بعدها إلى السلطات اللبنانية، وها هي الساعات الحرجة تمر سراعاً، ولم يتبق من المهلة سوى خمسين ساعة، بعدها لن يسمح بإبقائها رهن التحقيق لحظة واحدة، إذا لم يكن هناك اعتراف منها صريح، وواضح . .

وعندئذ . . ستغادر لبنان في بجاحة المنتصر وهي تخرج لسانها للفلسطينيين. لذلك . . عمد أبو الهول إلى تجاهل رغبتها في أن تعترف، فهو يدرك لسابق خبراته الطويلة، أنها ستلف وتدور وتحيك الأكاذيب إذا ما أنصت إليها فوراً. . ولكي لا يضيع الوقت هباء . .

رأى أن التعذيب بتلك الوسيلة سيختصر المسافة والوقت، خاصة وأنها تنطلق بشدة إلى قمة لحظات الضعف الانساني، خوفاً من الاعدام. وهي المتمسكة والراغبة في الحياة، لقد كان الاقتتال عنيفاً مع عقارب الزمن، ومع تلك المرأة الخائنة الذكية، التي دربت في الموساد على المراوغة والدفاع. لذا فالتعذيب المؤلم سيصيب إرادتها بالشلل، ويقضي على تفاعلات عقلها وشحنات المقاومة به، بل إنه سيجتث فيها الكذب والخباثة.

ويحيلها إلى مجرد امرأة لا تفكر سوى في إنقاذ حياتها، مهما كانت التضحيات والخسائر، متجاهلة كل وعود الموساد بحمايتها، فالألم المصحوب بالهلع طريق سهل أحياناً للسيطرة على نوعية معينة من الجواسيس، إذا ما اغلقت أمامهم أبواب النجاة والأمل، والعقيد أبو الهول لم يعتمد على هذين الأسلوبين فقط، بل نشط في استغلال كافة ما لديه من معلومات ، حصل عليها رجال رصد في
فيينا، لإخضاع العميلة
إخضاعاً تاماً لا شك فيه ، وظهر ذلك جلياً في أسلوب الاستجواب
المعقد الذي انتهجه بعد ذلك.


كانت الدقائق تمر رهيبة الوقع على العميلة التي آمنت من قبل بأكذوبة الموساد الأسطورية، بأن الفلسطينيين لن يكشفوها أبداً، لأنهم رتبوا كل شيء لحمايتها في حالة كشفها، فرجال الكوماندوز الصهاينة ، خاصة فريق العمليات الخاصة المعروف باسم السايريت ماتاكال سيعثرون عليها وسيخطفونها بالقوة،


كما فعلوا مع النازي أدولف إيخمان الذي خطفوه من الأرجنتين عام 1960
وأعدموه في تل أبيب، ومع الطفل يوسيل شوماخر الذي اختطف من فلسطين عام 1959 وعثرت عليه الموساد في نيويورك عام 1962 لكن العميلة الواهمة وقد أفاقت على الحقيقة المؤلمة، لفظت إيمانها العميق بالموساد، وآمنت – لحظة صراخها أمام مشهد الاعدام – بأن الاعتراف بصدق هو طريق الخلاص الوحيد من النهاية المرعبة. أما وقد علقوها إلى السقف

وتناوبوا ضربها بالسياط، فقد اشتد إصرارها على الاعتراف ليكف الجنود عن تمزيق جسدها، لكن الجند لم يرحموها . . واستمروا في تعذيبها دون اكتراث بصراخها، أو إلى حقيقة
أنهم يضربون امرأة . .

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:51 pm

كانت عربية ! شهقة المصدوم : قرب الظهر . . توقف أسفل مدخل الكهف سيارة جيب، ترجل منها ضابط برتبة مقدم وجنديان يحمل أحدهما حقيبة متوسطة الحجم، تحمل جهاز تسجيل متطور ذا سعة عالية. وضعها بعناية فوق قطعة صخرية مستوية بالقرب من أمينة، وانهمك الآخر في شد الأسلاك الكهربائية إلى بطارية السيارة الجيب بينما وقف الضابط يقلب بعض الأوراق بين يديه، متجاهلاً الالتفات إلى أمينة المفتي

وسألها في صوت حاد أجش: من هو رئيسك المباشر في الموساد؟
"ويطلق عليه ضابط الحالة".
وبصوت كأنه همس الموت أجابت في وهن: سأموت عطشاً . . اسقني و . . . وقبل أن تكمل الجملة رفع الضابط إصبعه، فهوى على ظهرها سوط ثقيل، ذاب صداه وسط صراخها الشديد، وأجابت على الفور: أشيتوف . . إيرييل أشيتوف.

فقال وهو لا يزال ينظر إلى الأوراق بين يديه: أين جهاز اللاسلكي ونوتة الشفرة؟ أجابته في سرعة مذهلة وهي ترمق الجندي ذي الكرباج بخوف: أمروني أن أضعه بصندوق القمامة أعلى شقتي ببيروت وأن أحرق أوراق الشفرة التي كانت بالمصحف. كم تقاضيت من الموساد مقابل التجسس علينا؟

لم آخذ سوى أربعة آلاف دولار، وكنت أنفق من أموالي الخاصة لأنهم صرفوا لي تعويضات زوجي المفقود. هذه المرة التفت إليها الضابط وهو يصيح في انفعال: أتعودين إلى الكذب ثانية أيتها المومس، وتدعين بأنك تنفقين من جيبك على الموساد؟

صرخت أمينة في رعب: سيدي الضابط . . إنها قصة طويلة . . "أجهشت بالبكاء" وأنت لم تسألني عن البداية . . أرجوك . . اسقني وسوف أدلي باعترافي منذ بدأت القصة.
صاح فيها الضابط محتداً وهو يلوح ناحيتها بمسدسه: عندي أوامر صارمة بأن أقتلك فوراً بالرصاص، إن تأخرت في الإجابة على أسئلتي، فكوني حذرة في اختيار ألفاظك وإياك والكذب. أنبهك ثانية: إياك والكذب أيتها العاهرة، فنحن نعرف عنك كل شيء. . كل شيء بالتفصيل منذ خدعك موشيه وتزوجك . .


وهاجر إلى فلسطين تنفيذاً للخطة المرسومة، أفكنت تعتقدين بأنه أحبك حقاً؟ خرقاء أنت إن كنت صدقت ذلك فيهودي مثله لن يعاف حسان قومه ليقترن بدميمة مثلك. هكذا كانت خطة الخداع الفلسطينية التي تعتمد على زرع الشك في صدر أمينة، والتلويح بوجود قصة كذب محبوكة جيداً وراء عملية تجنيدها . .

ولكي يسيطر عليها الشك تماماً وهي في حالة الضعف تلك، مسلوبة الإرادة والتفكير النقي، استمر الضابط في سرد بعض التفاصيل المأخوذة عن مذكراتها. لقد وقعت أيتها الغبية في شبكة خداع متقنة أوقعتك بها "سارة" التي هي في الأصل عميلة للموساد، واستطاع رجالنا الإجهاز عليها في فيينا، وفي فلسطين خدعوك مرة ثانية، عندما ادعو بأن موشيه انفجرت به الطائرة فوق سوريا!

ولأنها كانت أضعف من أن تفكر . . أو تحلل ما قاله الضابط الغليظ القلب، شهقت شهقة المصدوم، وهزت بعنف رأسها المدلاة وهي تئن في غير وعي: مستحيل . . مستحيل أن يفعل موشيه ذلك. أنا لا أصدق . .

"النفي هنا مشبع بالاستسلام والرفض معاً" كالدهر كانت تمر اللحظات القليلة، التي تذكرت أمينة أثناءها قصته منذ البداية مع سارة، وكيف شاركتها الشذوذ وجرتها إلى حياة الهييبيز البوهيمية، حتى أخذتها معها إلى وستندورف في زيارة لأسرتها بلا موعد. فهناك التقت بشقيقها موشيه الضابط الطيار، فانجرفت معه بلا عقل في قصة حب مجنونة . .محرمة، تخللها الجنس الذي عشقته معه حتى أدمنته، وأسلمت اليه قياد نفسها طائعة . . بلا إكراه.

وتساءلت أمينة في نفسها، برغم رائحة الموت التي تزحف من حولها: ترى . . هل كان موشيه صادقاً في حبه . . أم أن القصة كلها مجرد خدعة لذيذة . . تقودها إلى الاعدام. . ؟

كان حديث الضابط الفلسطيني ذي الوجه الجامد يفتك بمجامع عقلها المنهك . . ويغوص بها في محيط لا آخر له من الشك. . والخيبة . . والاندحار . .ورددت في نفسها غاضبة . . "إذاً . .خدعتني سارة . . وأحكم موشيه حلقة الخداع حول رقبتي". هنا . . هنا فقط . . نجحت تماماً خطة أبي الهول في زعزعة ثقة العميلة في قصة حبها، وفقدت بذلك السيطرة على عقلها. كذلك فقدت الهدف الذي من أجله خانت وقتلت . . ودمرت، وباعت من أجله دينها ووطنها.

وبضياع الهدف الرئيسي من وراء تجسسها، انقلب إيمانها بالانتقام من العرب إلى هدأة رفض هي مزيج من الحسرة . . والندم. لكنها – فيما بعد – أوجدت مبررات أخرى لفعلتها، في محاولة لتسكين لسعة المرارة التي التصقت بعقلها. رائحة العذاب والموت كان الموقف عصيباً جداً عند أمينة المفتي.

فقد أجاد العقيد أبو الهول التعامل معها بتدرج حتى أوصلها إلى مرحلة الشك. . فالترنح . .وليس هناك من شيء بعد الترنح سوى السقوط. وعند السقوط يكون المرء في أقصى حالات ضعفه . . ويأسه . . وقهره . .فلا عقل لحظتئذ أو إرادة، إنما انصياع للآخرين يغلفه الخوار. وفي مذكراتها تصف أمينة بتلقائية شديدة تلك اللحظات الحاسمة من حياتها، التي عاشتها في كهف السعرانة، وجاء وصفها لتفاعلاتها الداخلية في سرد رائع صادق، يحمل كل صراعاتها من أجل الحياة. مذكرات حوتها صفحات طويلة لا يستوعبها مجلد ضخم.

ضمنتها خلجات نفسها بصراحة، معتمدة على أسلوبها الشيق في الوصف والتحليل بلغة عربية بسيطة. ولنقرأ معاً ما كتبته عن مرحلة الترنح. تقول أمينة المفتي: "عشت أسوأ لحظات حياتي بعدما أطلقوا الرصاص على الفرنسية أمامي. كانت الفجيعة على عمري قاسية، والألم النازف أقصى . . وقلت في نفسي: هكذا يموت الخونة، وتصورت أنني سألقى ذات المصير، وكأنني كلب عقور لا ذكر لي

ولا اعتبار. وتعجبت من الضابط الشرس – أبو الهول – الذي أرعبني اسمه، فهو لا يريد أن يسمع اعترافي. كان لا يثق بي بالطبع فزميله أبو داود ضج مني وفشل معي من قبل. لقد كان أبو داود طيباً ومريحاً . .

أما أبو الهول فحروف كلماته طلقات رصاص. ارتعد بدني وأنا أستعيد ملامح وجهه، ووددت لو أنه جاء ثانية لاستجوابي بنفسه. فساعتئذ لن أنتظر منه سؤالاً واحداً، نعم . . قررت ألا أتركه يسألني، لأنني سأقول له كل شيء . . وبسرعة . . قبلما يثور فيأمر بإعدامي. لكن . . لم يجيء أبو الهول . . أرسل بدلاً منه ضابطاً آخر يماثله في الشراسة والقسوة.

ضغط بعنف على اعصابي، أشعرني بتفاهتي . . وحقارتي ورأيت الموت يتربص بي بين أصابعه. بل كنت أراه متحفزاً في ماسورة مسدسه. كنت لا أنوي خداعه أبداً أو مراوغته، فلا حيلة أمام سهام الموت المصوبة تجاهي. لكنني . . تمنيت للحظة ألا أموت ويلقى بجسدي في العراء، وكان ذلك عندما اكتشفت أنني ضحية مؤامرة قذرة، بطلها زوجي موشيه . . وسارة والموساد.

في تلك اللحظة تمنيت ألا يقتلونني . وتضرعت إلى الله نعم . . إلى ربي الذي عصيته وكفرت به – أن ينقذني . . لأرى موشيه – موشيه الرومانسي الرقيق الحنون الذي خدعني . . وأضاعني. كنت في حالة صراع قاسية. . صراع بين حبي لموشيه الذي بلا حدود وبين الحقيقة التي تفتك بي. واسترجعت شريط حياتي كلها في لحظة، ووقفت عند حكايتي مع موشيه. وتساءلت . .

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:52 pm

ماذا سأفعل معه لو أنه كان حياً بالفعل في الوطن المحتل . .؟ هل سأنتقم منه أم سأضعف أمامه وأصفح. . ؟! سيطر الضابط المحقق على أمينة المفتي، فخضعت له في استسلام وقد خارت عزيمتها، وهوت صريعة الرعب في كهف موحش وسط الجبال . .تنبعث منه رائحة العذاب . . والموت. وفاجأها الضابط بسؤال صاعق: مع من مارستِ الجنس في لبنان . . ؟ بصوت مرتعش أجابت بعد لحظة تفكير قصيرة . .تسعة . . ! وكأنما أرادت تأكيد صدق إجابتها أضافت . . لبنانيان يعملان معي هما مارون الحايك ومراون عساف الموظف بشركة الهاتف، وضابط فلسطيني فشلت في تجنيده اسمه أبو ناصر وخمسة أجانب.

هؤلاء ثمانية فقط، مَن التاسع؟ أجابت بنبرة خجل شديدة . . خديجة زهران . . !! وهي أول من عرفت في لبنان وتملك محلاً للملابس اسمه اللوار LOIRE . كانت تمطر دما في كتابها الشيق "قبل الإفاقة" يقول ضابط سوفييتي اسمه ليونيد يوكوف، وهو خبير بشؤون المخابرات ومتخصص في استجواب الجواسيس والخونة. عندما ينهار العميل المعتقل ويعترف بأول معلومة بعد جهاد، يكون كالكهل الذي يرتقي الجبل، ويجر خلفه سلسلة طويلة متصلة الحلقات تمتد بين الحصى والصخور، كلما جلس ليستريح دق بعض حلقاتها ليسهل عليه الجر. وقد يعتقد البعض أن اعترافات أمينة المفتي التي أدلت بها لا تفي بالغرض.

فالضابط الفلسطيني لم يسألها سوى خمسة أسئلة فقط. وأقول: لقد حملت إجاباتها اعترافاً صريحاً بالتعامل مع الموساد، وكذا أسماء شركائها في شبكة الجاسوسية، وعند هذا القدر الهائل من المعلومات في الاستجواب الأول.

ظهر فريق من رجال المخابرات الفلسطينية يترأسهم العقيد أبو الهول، لمهمة مباشرة التحقيق مع الجاسوسة المنهارة، دون منحها فرصة واحدة للراحة أو لاسترداد أنفاسها، إنه التوقيت الذهبي لاستجلاء خفايا الأسرار التي يحملها الجاسوس المعتقل، حيث يكون واقعاً تحت ظروف نفسية وجسدية مرهقة. ومنحه فرصة – ولو قصيرة – للراحة، معناه خسارة فادحة لا تعوض، لأنه بذلك سيرتب أفكاره ويتحصن بالأكاذيب التي درب عليها واسترجعها لحظة
عمل العقل المعطل.

وكان لوصول أبو الهول وقع الصدمة عند أمينة، فهو رجل بدا بلا قلب أمامها عندما أعدم الفتاة الفرنسية، وأمر برميها خلف الجبل وتحطيم رأسها بالصخور. صرخت الواهنة المدلاة من سقف الكهوف عندما لمحت الرجل المتجهم يقترب منها، ويأمر أحد الجند بأن يعري ظهرها. تأوهت المرأة ألماً والجندي يرخي سترتها، ولما انكشف الظهر بدت خطوط السياط الحمراء المتقاطعة في كثافة، فصرخ في جنوده بصوت جهوري أجش: أكنتم تدللونها يا أولاد الـ . . . ؟

أما زلتم في مرحلة الحضانة؟ . وانهال ضرباً على الجنود الذين تناوبوا تعذيبها وهو يسبهم ويقول: كانت الفرنسية تمطر دماً . . أين دم هذه الـ . . . يا أوغاد؟. ثم اتجه بوجهه ناحية الضابط الذي حقق معها وسأله: هل اعترفت بكل شيء؟ أجابه الضابط على الفور وهو يقف منتصباً في انتباه: لم تعترف بعد سيادة العقيد إنها كاذبة. هنا . .

أدركت أمينة أن النهاية قد قربت . . فاستجمعت ما بقي لديها من قوة وقالت للقائد في هلع ووهن: اعترفتُ . . اعترفتُ . . حتى بأسماء شركائي . . اسألوني وسأجيب بصراحة. لا أريد أن أموت . . أن أموت. فصمت أبو الهول للحظات مرت بطيئة . . مرعبة، ثم نطق آمراً في حسم : أنزلوها. .

انتهى
الفصل الثاني عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:53 pm

الفصل الثالث عشر

الأستجواب :
بداخل كهف السعرانة، شرع العقيد أبو الهول في استجوابها.
ورصت عدة مقاعد خشبية على شكل نصف دائرة يتصدرها القائد، بينما جلست أمينة على الأرض بلا قيود في وضع القرفصاء، حيث بدأت تعترف بقصة سقوطها في شرك الجاسوسية منذ البداية . .

البداية الأولى في فيينا. وكانت خائرة تماماً لا تملك إلا قول الصدق . . كل الصدق أملاً في النجاة. وجاء في ملف استجوابها أنه في يوم 12 "سبتمبر" 1975، الساعة الواحدة وخمس دقائق مساء، أُخضعت أمينة المفتي للتحقيق، وكان استجوابها برئاسة العقيد أبو الهول، وبإشراف القائد محمد داود عودة " أبو داود" كما يلي:
اسمك بالكامل. . ؟ أمينة داود محمد المفتي.
جنسيتك . . ؟ أردنية.
بكالوريوس علم النفس الطبي بجامعة فيينا عام 1963.
والدكتوراة . . ؟ مزورة . . فأنا لم أكمل دراساتي العليا.
أين ومتى تم تجنيدك في الموساد . . ؟ أنا لم أجند . لكنهم هددوني في فيينا في شهر مايو 1972.
كيف . ؟ نريد كل التفاصيل. كنت أسعى للحصول على درجة الدكتوراة في فيينا. ولما فشلت في ذلك تزوجت بطيار نمساوي يهودي اسمه موشيه بيراد، هو في الأصل الشقيق الأكبر لصديقتي النمساوية سارة،
وكنا قد ارتبطنا معاً بعلاقة حب.
تتزوجين من يهودي وأنت المسلمة . . ؟
كانت ظروفي النفسية سيئة وتزوجته بإلحاح منه،
ولم أكن أعلم أن ذلك حراماً لأنني غير متدينة.
ألم تشكين في نواياه وهو يلح في الزواج منك . . ؟
لا . . مطلقاً . . فهو كان يحبني جداً ويسعى لإسعادي .
هل يعرف أهلك في الأردن بقصة زواجك من يهودي . . ؟
لا . . فقد عارضوني بشدة عندما أخبرتهم برغبتي في الزواج من نمساوي. وكنت قد كذبت عليهم وادعيت بأنه مسلم من جذور تركية. لذلك . . هربت مع موشيه إلى فلسطين خوفاً من أن تطاردني أسرتي.
وما هي قصة هروبكما هذه . . ؟

جائني موشيه ذات يوم - وكنا نعيش في وستندورف قبلما ننتقل إلى فيينا – وبيده إحدى الصحف المحلية، وقال لي توجد بالصفحة التاسعة حكاية غريبة عن طبيب إيطالي، يغتصب مريضاته في حجرة العمليات بعد تخديرهن.

ولما قرأت الصفحة لفت انتباهي إعلان بارز إلى جوارها مباشرة، كان عن طلب طيارين عسكريين أوروبيين من اليهود للهجرة إلى الأرض المحتله .

وكانت المزايا المقدمة متعددة جداً ومثيرة، فتكلمت مع موشيه وناقشت الأمر معه لكنني فوجئت به لا يكترث. فغضبت منه لأنه يعرف مدى خوفي من مطاردات أهلي لي، وحالات التوتر التي لا تكف عن إرهاق أعصابي ليل نهار، وكلما وجدته كذلك ازدتت إلحاحاً في مناقشة الفكرة معه، فقبلها بوقت ليس طويل كان قد حدثني عن رغبته في العمل كطيار مدني بإحدى الشركات الكبرى.
بعدها بأيام انتقلنا إلى شقتنا الجديدة بفيينا، إلا أنني كنت لازلت غاضبة ومكتئبة وخائفة. وكثيراً ما صحوت من نومي هلوعة مضطربة، وأجدني لا أهدأ إلا بعدما أبكي بحرقة، فكان حالي يؤرقه ويضايقه. ولما وافق على مناقشة فكرة الهجرة

سألني عن قناعتي فأجبته بأن فلسطين هي المكان الوحيد الذي سأحس فيه بالأمان لأن أهلي لن يتوصلوا الي. فقال إنه يخشى أن يرفضوا طلب الهجرة لأنني مسلمة . . وأردنية، فقلت له وكيف نضمن الموافقة؟
فقال بأن تتهودي . . ولما وافقت اصطحبني إلى معبد شيمودت حيث تم تعميدي وأصبحت يهودية و قد استدل عليه
هل كنت تكرهين كونك عربية . ؟
كنت أكره مظاهر التخلف في بلادي.

هل عدم اكتراث موشيه بالإعلان الذي جاء بالصحيفة يوحي لك بشيء الآن. . ؟
ربما كان يدفعني لأن ألح أكثر فأكثر . . أو أنه كان يرغب العمل كطيار مدني .
هل موشيه كان يهودياً متديناً . . ؟ وهل كان يحب الصهاينة. . ؟
لا . . لم يكن متديناً. فنادراً ما كان يذهب إلى المعبد. لكنه كان يحب اليهود ويفتخر بتلطف بتفوقها وتقدمها.
وسارة . . ؟ كانت مجنونة باليهود ، وتصطاف بفلسطين كل عام.
هل استدعتك جهات أمنية في فيينا قبل هجرتكما . . ؟ لا .
وهل حدث ذلك في فلسطين نعم . اصطحبني ضابطان إلى جهة أمنية لا أعرفها في تل ابيب . . ؟

ماذا حدث معك هناك . . ؟ برروا لي حروبهم مع العرب، وأنهم يدافعون عن وطنهم ولا يبغون عدواناً على أحد، وأنهم يسعون إلى السلام.
هل اقتنعت . . ؟ كنت أقول لهم ذلك . . لكنني لم أكن مقتنعة بما يقولون. "كانت تكذب . . فهي نسيت عروبتها وتحولت إلى يهودية قلباً وقالباً . . "كم مرة استدعيت لمكتب الأمن . . ؟

مرة واحدة . . لكن ضابطاً اسمه أبو يعقوب كان يزورنا دائماً ويجلس معي كثيراً ليؤكد تبريراته.
ما هو اسمك الرسمي في أوارقك اليهوديه . . ؟ آني موشيه بيراد.
متى خبرت بسقوط طائرة زوجك موشيه بيراد . . ؟ في 11 أبريل 1972. من أخبرك . . ؟ أبو يعقوب.
هل قال لك أنه مات . . ؟ لا . . أخبرني أن السوريين أسقطوا طائرته، ولم يعلنوا بعد عن أسره، بما يعني أنه ربما هرب.

هل طلبوا منك التوجه إلى سوريا ولبنان للبحث عنه . . ؟
ليس صراحة . . لكنهم أوحوا إلي أنه ربما التجأ إلى أحد الكهوف الجبلية بسوريا في انتظار النجدة، أو أن إحدى المنظمات الفلسطينية المنشقة عن منظمة التحرير تحتفظ به سراً للمساومة عليه.

ولما أنبأوني بأنهم يبحثون عمن يتقصى أخباره، طلبت منهم أن أقوم بنفسي بالمهمة، وعلى ذلك سمحوا لي بمغادرة تل أبيب إلى فيينا بجواز سفري الصهيوني ، والسفر إلى بيروت من هناك كأردنية.
هل دربت على كيفية تقصي المعلومات للبحث عن زوجك . . ؟ لا . . هم فقط طلبوا مني الاحتراس والحذر.

وكيف جندت بعد ذلك . . ؟ أنا لم أجند . . فقد استدعوني إلى فيينا وتقابلت مع ثلاثة صهاينه من جهاز المخابرات، أقنعوني بأنهم جاءوا لتسهيل إجراءات إرث زوجي والتعويض الذي تقرر له.

صرف تعويض يعني أنه مات بالفعل. فعلام كان سفرك إذن لبيروت . . ؟
لم أكن أعرف ذلك بالضبط . لكنهم نصحوني بتقصي أخبار المنظمات الفلسطينية في بيروت فقد أستدل عليه.
تستدلين عليه في بيروت أم في دمشق . . ؟ من خلال المنظمات الفلسطينية في بيروت.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الخميس يونيو 11, 2009 11:53 pm

ضمانات الولاء :

وكيف تدربت للقيام بتلك المهمة. . ؟
لمدة شهر وأربعة أيام في فيينا علموني كيف أكتب الرسائل بالحبر السري، وأظهار الرسائل الواردة الي منهم، وأساليب التشفير والتصوير، وتلقط الأخبار والالتزام بالحس الأمني، وتحميض الأفلام والهروب من المراقبة، والتمييز بين الأسلحة وأساليب إثارة المتحدث ليفشي أسراره.

واستقدموا لي من فلسطين أحد الضباط المتخصصين في تقوية الذاكرة وتخزين المعلومات والأرقام والأسماء والصور
"الاعتراف بالتجسس واضح جداً هنا . . ".
إذن كان المطلوب منك تقصي أخبار الفلسطينيين وليس تقصي أخبار زوجك . . ؟
تقصي أخبار الفلسطينيين بغرض تسقط المعلومات منهم عن موشيه.
"وهنا كانت تحاول المراوغة".

هل حددوا لك مهام بعينها . . ؟
نعم . . طلبوا مني التحري عن مقار إقامة القادة الفلسطينيين، والتغلغل داخل رجال المقاومة لمعرفة أخبارهم.
ماذا كانوا يريدون بالضبط . . ؟
كانوا يريدون معرفة الطريق التي يسلكها الفدائيون للتسلل إلى فلسطين وأعدادهم، وتدريبهم، وأسلحتهم، ومواعيد هجماتهم المرتقبة، وكذلك مخازن الأسلحة والإعاشة.


قلت إنهم هددوك في فيينا في مايو 1972 . . كيف . . ؟
قال لي أحدهم إنني الآن وحيدة لا حول لي، وأن المخابرات الأردنية تسعى ورائي، ولأنني أصبحت يهودية ومواطنة إسرائيلية، فهم سيعملون على حمايتي مهما كلفهم الأمر. فكان المطلوب مني أن أستغل هويتي الأردنية للسفر إلى بيروت حيث لن يشك الفلسطينيون بي.
ــ فوافقت على التعامل معهم من أجل حمايتك أم لإنهاء موضوع الإرث والتعويض . . ؟
من أجل حمايتي . . فقد كنت خائفة من المخابرات الأردنية. "!!"
لذلك تسلمت 4000 دولار فقط من الموساد وتنفقين من جيبك كل تلك المدة . .؟


أين تدربت على استعمال اللاسلكي . . ؟ في تل أبيب.
متى . . ؟ في الفترة من 20 سبتمبر إلى 3 أكتوبر 1973.
من قام على تدريبك . . ؟ ضابط مهندس اسمه يوسف بن بورات.
هل 13 يوماً تكفي لتدريبك على استعمال اللاسلكي . . ؟
كان الجهاز تقنياً متقدماً جداً . . وبسيط في طريقة بثه وإرساله.
ما سر صفحات المصحف الناقصة . . ؟ كانت توجد مكانها أوراق الشفرة.

كيف تعرفت بمارون ومانويل . . ؟ عرفتني عليهما خديجة زهران.
وكيف جندت الثلاثة لمعاونتك . . ؟ تعرفت أولاً بمانويل ثم جائني بمارون بعد ذلك . .
هل مارسا الجنس معك . . ؟ نعم . . وكان ذلك قبل أن يعملا معي.
هل نصحك ضباط الموساد بذلك . . ؟ لا . . فعلت ذلك لأضمن ولاؤهما لي
هل خديجة زهران شريكة لك منذ البداية . . ؟
لا . . لم تكن تعرف بمهمتي إلا منذ فترة وجيزة. لكنها ساعدتني قبل ذلك عن غير قصد.


كم أنفقت على شركائك الثلاثة من أموال . . ؟
لا أدري كم بالضبط. لكن مارون تسلم مني ما يزيد عن الثلاثة آلاف ليرة قبلما ينضم لي.
تقصدين قبل أن يكتشف أنه يعمل لصالح الموساد. وماذا قدم لك مارون . . ؟
عرفني بعلي حسن سلامة، وجاءني بأرقام التليفونات السرية للزعماء الفلسطينيين.
ومانويل . . ؟ كان يشاركه . وكان مارون مسؤولاً عنه.
وما دور خديجة معك . . ؟
كانت تمدني ببعض المعلومات التي تجلبها من زوجات الضباط الفلسطينيين من المترددات على محلها.


امرأة بلا وطن :

هل طلب منك رجال الموساد اغتياله . . ؟
لا . . مطلقاً. لم يطلبوا مني ذلك . لكنهم أمروني أن أوطد علاقتي
به وأقوم بتصويره.
وهل فعلت ذلك . . ؟ نعم . . فهم كانوا يجهلون ملامحه وكانوا يلحون في ذلك.
كم تقاضى منك أبو ناصر . . ؟ أبو ناصر . . ؟ إنه لا يعرف أي شيء. كنا أصدقاء فقط.

هل مارس معك الجنس . . ؟ ثلاث مرات فقط ثم اختفى وعلمت بعد ذلك أنه سافر للعمل في قبرص.
من هم الأجانب الخمسة الذين ضاجعتهم . . ؟
إنهم رجال من جنسيات مختلفة يعملون للموساد، وكانوا يجيئون إلي ليتسلموا الأفلام والخرائط التي بحوزتي.

هل تدلينا عليهم . . ؟ أنا لا أعرف أسمائهم الحقيقية، فهم يتعاملون معي بأسماء حركية، ويتصلون بي دون أن أعرف مكانهم.
وأين كانت تتم لقاءاتكم الجنسية . . ؟
في شقتي ببيروت ــ . هل بينهم عرب . . ؟ مغربي قال لي إن اسمه عازار وكان يعيش في تطوان.

هل زرعت أجهزة تنصت بمكتب ياسر عرفات . . ؟
كانوا يفكرون في ذلك عندما كنت بفلسطين . . لكنني لم أفعل.
ما الدور الذي قمت به لمحاولة اغتيال القائد أبو إياد في أكتوبر 1973؟
أبلغت الموساد عن الموقع العسكري الذي كان يتفقده، وقد كنت أحمل يومئذ جهاز اللاسلكي بحقيبتي، وأتابع عن قرب الطائرات الصهيونيه وهي تضرب الموقع. "أجهشت بالبكاء" سيدي أبو الهول . .

كنت لم أزل بعد غبية حمقاء، أجرمت في حق وطني وعروبتي . . وديني. وارتكبت أفظع الجرائم لأنني كنت مهددة . . شريرة لا وطن لي. لقد صدقتهم وآمنت بما كانوا يقولونه دون أن أحترز أو أفكر . . وأتحسس الطريق الصواب، ولم يكن أمامي سوى الانصياع لأوامرهم خوفاً على حياتي. فهم زرعوا الخوف بداخلي من المخابرات الاردنية . . لا . . بل ومن أجهزة المخابرات العربية كلها التي تطاردني لتغتالني، ولم يكن لي مأوى سوى في عندهم. هكذا أوهموني وأخافوني . . وكنت مغيبة الوعي لا أدري أين هي الحقيقة، أو لأي طريق أقاد.


سيدي . . لقد كنت أمدهم بالمعلومات ليس حباً فيهم أو كراهية للعرب، بل لأجل أن أضمن وطناً يأويني ويحميني، بعدما ضيعت نفسي بغبائي . . ووقعت أسيرة مؤامرة أحبك الصهاينة حولي شباكها بمساعدة سارة وموشيه. "أمينة هنا تحاول كسب عطف المحقق ليس إلا".

انتهى
الفصل الثالث عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
love-rise
عضو مميز
avatar

انثى
عدد الرسائل : 880
العمر : 34
رقم العضويه : 14
الدول : العراق
تاريخ التسجيل : 04/11/2008
التقييم : 3775

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 4:31 pm

مشكورة همس .. قريت بعض الفصول وباذن الله اكمل المرة الجاية .. تسلمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:11 pm

ربي يعافيك لازم يوم تكونين فاضيه لها بس...

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:14 pm

الفصل الرابع عشر

لسعة الخوف

حمل العقيد أبو الهول ملف استجواب أمينة المفتي إلى قائده أبو داود، الذي خطط بمهارة للإيقاع بها، وبدوره وضع الملف الساخن أمام ياسر عرفات ومساعده الأول أبو إياد لتقرير مصيرها . . امتعض أبو إياد أسفاً وقال:
يا لها من امرأة شريرة، لم تكتف بما فعلته بنا فأرادت قتلى.
وربت على كتف رئيس مخابراته – علي حسن سلامة – وهو يقول:
نشكر الله على أنك وفقت في كشفها، فوجود حية كهذه بيننا كان سيكلفنا الكثير.

أما ياسر عرفات فقد علق قائلاً:
لن تكف الصهيونيه عن زرع الخونة بين صفوفنا، فلا تأمنوا كل متطوع وافد، ولا تغرنكم حماسة الغرباء ، وقبل أن يشرق صباح الثالث عشر من سبتمبر 1975، كانت هناك ثلاث سيارات إسعاف تخترق شوارع بيروت، بداخل كل منها خمسة مسلحين أشداء من رجال المخابرات الفلسطينية – رصد – في مهمة جد خطيرة.

تتجه السيارة الأولى إلى شارع الخرطوم حيث يقيم مارون الحايك، وتتجه الثانية إلى شارع أرواد عند سوق الطويلة حيث مانويل عساف أما الثالثة فكانت تقصد منطقة باب إدريس لاعتقال خديجة زهران. لقد استقل المسلحون الخمسة عشر سيارات الإسعاف بغية إتمام مهامهم بسلام، في وقت كانت فيه بيروت أشبه بساحة حرب شاسعة، تشتعل بنيران الفتنة الطائفية كل بقعة فيها، إذ تحولت بيروت من الحب إلى الحرب، وصار وطن الجميع مذبح الجميع.

وامتلأ وجه المدينة الجميلة بالندوب والتشوهات والجماعات المسلحة، التي بلغ عددها ما يزيد عن 39 تنظيماً. ففي بيروت الشرقية يتواجد الكتائب، ونمور الأحرار، وحراس الأرز، والطاشناق، والمردة. . الخ
وفي بيروت الغربية هناك المرابطون، ونسور الثورة، وحركة التحرير، وحركة صلاح الدين ، و . . طابور طويل من القبضايات المسلحة. لقد بدا أن التعايش الطائفي لم يكن سوى نزاع مستمر وتراكم خفي للأحقاد، انفجر بشكل مذهل، وجرى التسابق بين الطوائف من أجل السيطرة السياسية للعائلات الدينيه.


واستمر الخلط بين السياسة والدين في ذهنية الفرد والجماعة، وتحولت لبنان إلى مارونية عند الموارنة، وشيعية عند الشيعة، وسنية عند السنة، ودرزية عند الدروز، وحتى آخر طائفة صغيرة في لبنان. أما الفلسطينيون . . فقد ظلوا بعيداً عن رحى الحرب الأهلية، وتشغلهم المقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وتنظيم صفوفهم من أجل استمرار الكفاح، والبحث عن خونة استباحوا أسرارهم وباعوها لليهود.


وعندما وصلت السيارة الأولى لمنزل خديجة زهران، كانت هناك مفاجأة مدهشة تنتظر الرجال الخمسة، إذ عثروا عندها على مانويل عساف عارياً في فراشها، لم ينتبه لصوت فتح الباب بخفة ووقوفهم على رأسه، بينما كانت سيدة البيت في الحمام، شغلها انسكاب الماء المنهمر على جسدها في البانيو عن معرفة ما يدور وراء الباب. لقد انهار مانويل لمرأى الرجال الخمسة، وأدرك في الحال ما جاءوا لأجله، أما خديحة فقد صرخت عندما فوجئت بأربعة منهم يسحبونها من حمامها الدافئ، ويسترون الجسد العاري بشال أحدهم. ويأمرونها بارتداء ملابسها على عجل. انتهز مانويل عساف انشغال الأربعة، وعرقل زميلهم الخامس وجرى مسرعاً إلى شباك الغرفة، وقبل أن يتمكن من الإمساك به قذف بنفسه
من الطابق الخامس.


ووجد بجوار المنزل منكفئاً على بطنه، يرتدي روباً أحمر بلا أزرار . . وجورباً قطنياً (!!) هكذا نأى بنفسه عن المصير الذي كان ينتظره . أما رفيقه مارون الحايك فقد استسلم خائراً وهو يرتجف رعباً وهلعاً، واقتيد مع خديجة زهران إلى الجنوب بعيداً عن الحرب الأهلية، حيث الجوع والعطش . . وصراخات الخوف والندم بكهف السعرانة الموحش . . الرهيب.


_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:14 pm

عالم غريب . . غريب

انكمشت أمينة المفتي في ذعر عندما علق رفيقاها في الخيانة – مارون وخديجة – بسقف الكهف على مقربة منها، تنهال على جسديهما الكرابيج كالمطر، فيملأ صراخهما جوف الكهف، ويتموج صداه في تداخل يصم الآذان. لقد كان تعذيبهما بشدة أمراً حتمياً لقتل إرادتيهما، وللنأي بهما عن الكذب والمراوغة عند الاستجواب. فالمطلوب منهما هو الإفصاح عما نقلاه إلى أمينة من معلومات، والاعتراف على آخرين تعاونوا معهما. سواء أكان ذلك عفوياً، أم بنية القصد والتعامل بأجر.

أما أمينة التي تهتك جسدها بفعل التعذيب، فقد رأى القائد أبو داود حرمانها من النوم والطعام، ومنحها قطرات قليلة من الماء تبلل بها حلقومها المتشقق، لتعترف خلال الاستجواب الثاني المفصل، بكل ما نقلته من أسرار ومعلومات إلى الموساد، ليتمكن الفلسطينيون من تعديل خططهم واستراتيجيتهم على ضوء ما تم نقله للصهاينه ، وكذا . . تحليل نوايا العدو ومقاصده. فالمتعارف عليه أن أجهزة المخابرات في العالم أجمع، تعيد استجواب الخونة والمنشقين مرات ومرات، دون الاكتفاء بمرة واحدة، إذ إن القصد من ذلك عصر العملاء وتفريغ ما بعقولهم، اعتماداً على الإرهاق البدني والمعنوي.

فالاستجواب المتكرر يميط اللثام عن الكثير من الأسرار والخبايا، ويظهر صدق الاعتراف من عدمه بتكرار الإجابات نفسها. فالعقل البشري مهما لقن من معلومات مكذوبة لن يستطيع ترديده مرات ومرات دون خطأ، لكن هناك حالات شاذة جداً لجواسيس استطاعوا التماسك، والإصرار على صدق ما ادعوه حتى النهاية.


أشهرهم على الإطلاق جاسوس الموساد في القاهرة "وولفجانج لوتز" الذي اعتقل عام 1965 هو وزوجته وأخضع لتعذيب مكثف بما فيه حرمانه من الإحساس وبلوغه حد الجنون، لكنه صمد وأصر على القول إنه ألماني، ولم تتكشف حقيقته إلا بعدما عرض الصهاينة مبادلته بأسرى مصريين عام 1967.


لقد كان من المهم إعادة استجواب أمينة المفتي، خاصة بعد إخضاع اعترافات مارون الحايك وخديجة زهران للتحليل الدقيق. فهي عميلة من نوع خاص، درست علم النفس وقرأت في فروع الفلسفة، بل وعشقت السوفسطائية ومحاورات سقراط التي كتبها أفلاطون، وتحفظ مقاطع كاملة من محاوره أقريطون، وضبطت لديها كتب لسارتر، وديكارت، وفريدريك نيتشه وآخرين غيرهم . .

فكانت قراءاتها التي هي مزيج من الثقافات والاتجاهات، أداة طيعة للدفاع والتماسك وانتقاء الألفاظ. لكن "أبو داود" الذي استعد لها جيداً، لم يكن ليصدق أبداً بعد ذلك، أن عميلة الموساد المدربة، والأكثر ثقافة وقدرة على الإقناع والمحاورة، استحضرت كل ما بجعبتها، وقذفت به أمامه دفعة واحدة، دون أن تدخر وسعاً لإخفاء أي شيء ولو كان تافهاً.

ذلك لأنه أجاد بدراسته لشخصيتها، واختياره للأسلوب الأمثل هو ورجاله في التعامل معها، ألا وهو أسلوب الاقتناص الذي يعرف في عالم المخابرات بالمباغتة، ويعتمد على دراسة علم الأسباب اعتماداً كلياً وهذا المنحى في خطط استجواب الخونة الذي اتبعه أبو داود ورجاله في المخابرات الفلسطينية، يدل دلالة قوية على عمق وعي رجال مخابراتنا العربية، وقدرتهم الفائقة على استغلال العلوم النفسية المعقدة في عملهم الشاق، للتعامل مع شتى أنواع الخونة، والعملاء المهرة الذين تدربوا في أكاديمية الموساد. وبينما كانت خديجة زهران تدلي باعترافاتها، تفجرت مفاجأة عجيبة أدهشت ضباط رصد، عندما وقفوا على سر سقوطها في شبكة أمينة التجسسية


نساء أوروبا

وجاء في محضر استجواب خديجة زهران. اسمك بالكامل . . وعمرك . . ؟ خديجة عبد الله زهران – 38 عاماً. جنسيتك . . ؟ أردنية الأصل وأحمل هوية لبنانية. صاحبة محل لوار للملابس في بيروت. كيف تعرفت بأمينة المفتي . . ؟تعرفت عليها عندما جاءت لتبتاع ملابس لها، ومن لهجتها عرفت أنها أردنية مثلي. كيف توطدت علاقتكما . . ؟

كانت تزورني دائماً بالمحل وتحولنا إلى أصدقاء. هل تعرفت من خلالك بالمدعو مارون الحايك . . ؟ لا . . بل بمانويل عساف وهو الذي عرفها بالحايك.

وما سبب ذلك. . ؟ كانت بحاجة إلى تليفون بشقتها، فطلبت من مانويل مساعدتها لأنه موظف بالمصلحة. هل كان مانويل عشيقاً لك وقتها . . ؟ لا . . كانت زوجته زبونة لمحلي . . وكان يجيء معها أحياناً فتعرفت عليه. وكيف تطورت بينكما العلاقة إلى جنس . . ؟ طلبت مني أمينة ذلك لإسكاته عنها. كيف ذلك . .

كان يغار من الحايك ويغتاظ لأنها فضلته واتخذته عشيقاً. هل كنت على علم بنشاط أمينة التجسسي منذ البداية . . ؟ لا . . لم أكن أعرف . . ومانويل هو الذي أخبرني بذلك أثناء سكره. لماذا لم تبلغي السلطات الأمنية بالأمر . . ؟

أردت استغلال أمينة مادياً لأنني كنت مدينة بمبلغ كبير للبنك. وكيف حدثت المواجهة بينكما . . ؟ كنا بشقتي عندما فاتحتها بما قاله مانويل، ولأنها تعلم جيداً بتعثراتي المالية . . أنكرت، وأخرجت دفتر الشيكات وأعطتني شيكاً بثلاثة آلاف ليرة على سبيل القرض. كم كانت ديونك للبنك . . ؟ حوالي ستة عشر ألفاً.

وهل ثلاثة آلاف ليرة تكفي لإسكاتك . . ؟ وعدتني بخمسة آلاف أخرى، وعرضت علي الشراكة دون الإدارة. قالت أمينة أنك مارست معها الجنس مرات كثيرة. لا . . لا . . هي التي جرتني لأفعل معها ذلك لكي تضمن سكوتي.

كيف ولماذا. . ؟ قبلما أطلق من زوجي الثاني كنت أشكو لها عدم ارتياحي معه. وذات يوم طلبت مني أن أزورها بشقتها، ولما ذهبت إليها تكلمنا عن الجنس، وأخذت تغريني بأن نفعل معاً كما تفعل النساء في أوروبا.

وبعد عدة لقاءات في شقتها فوجئت بها تهددني بأفلام صورتها لي معها ومع مارون الحايك . وطلبت مني أن أعطيها عشرين ألف ليرة، وإلا فستفضحني أمام زوجي وأهلي.

ثم ماذا . . قبلت قدميها أرجوها ألا تفعل، ولما أصرت هددتها بأن أخبر السلطات الأمنية عما ذكره مانويل، فسخرت مني وقالت: سأفضحك إن لم تجيئيني بالنقود مساء اليوم. لقد كانت تعرف أسرتي، وتعلم بأن والدي وأخويّ متدينون وسيقتلونني حتماً إذا ما رأوني في تلك الأوضاع المخلة. ولما عجزت عن إقناعها طلبت مني أن أعمل معها بأجر. وأن مهمتي تتلخص في مصادقة النساء المتزوجات من ضباط فلسطينيين، واستدراجهن للخوض في السياسة والأسرار العسكرية.

وهل وافقت هكذا بسهولة . . ؟ لا . ابتعدت عنها لعدة أيام لأفكر، وكنت على وشك إبلاغكم لكنها حاصرتني وهددتني بقسوة، فاضطررت إلى إعلان موافقتي لإسكاتها. كيف بدأت العمل معها . . ؟ شرحت لي طريقة التعرف بالنساء الفلسطينيات ومصادقتهن، ومكثت معي بالمحل عدة أيام لتراقبني. كم زوجة فلسطينية تعرفت بها. . ؟ لست أدري . . ربما أكثر من أربع عشرة زوجة.

"يوجد سرد طويل لأسماء ومعلومات مختلفة". كم ليرة حصلت عليها لقاء عملك . . ؟ سبعة آلاف . . أو ثمانية. هل التقيت بأحد من أعوانها من الأجانب . . ؟ مرة واحدة. جاء أحدهم ليتسلم مظروفاً كبيراً تركته أمينة. ماذا كان به. . ؟ لا أدري . . فقد كان مغلقاً بالسوليتيب، ولم تخبرني أمينة عما به. هل كان عربياً . . ؟ لا . . إنه أجنبي ولهجته فرنسية. ماذا قال لك. . ؟


قال لي كلمة السر المتفق عليها: جامبون. "وهو اسم شائع يطلق على لحم فخذ الخنزير المحفوظ". وكيف تعرفت عليه . . ؟ كان يدخن البايب وله شارب دوجلاس أصفر، وقد أخبرتني أمينة عن أوصافه مسبقاً. هل تعرفين أبو ناصر . . ؟ أعرف زوجته سندس ولم أره أبداً. كيف نشأت علاقة أمينة به . . ؟ جلبت لها رقم تليفونه في صيدا من زوجته.

ولماذا رغبت أمينة في التعرف اليه ؟ لأن زوجته أخبرتني الكثير عن بطولاته وعملياته الفدائية في الجنوب، واهتمت أمينة بمصادقته. متى أخبرتك أمينة بأن "أبو ناصر" ضالع معها في التجسس . . ؟ لم تخبرتي عن ذلك، وإنما أكدت لي بأن الضابط الفلسطيني "وطني أكثر من اللازم". هل صدقتها . . ؟ نعم . . فقد كانت تكرهه، وتطلب مني دائماً استدراج زوجته في الحديث لمعرفة أخباره.

انتهى
الفصل الرابع عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:15 pm

الفصل الخامس عشر

عشر انتهت اعترافات خديجة زهران، حيث أدلت بأدق تفاصيل علاقتها بأمينة المفتي، وبزوجات الضباط الفلسطينيين في بيروت. أما مارون الحايك المذعور فقد أوضح الكثير عن ملابسات علاقته بأمينة، وعثر ببيته على قائمة طويلة تحوي الأرقام السرية لتليفونات قادة المنظمات الفلسطينية، إضافة إلى ملف كبير يتضمن خلاصة تجسسه على تليفوناتهم خلال فترة اعتقال أمينة.


فقد كان يود تقديمه لزعيمته عند عودتها لتمنحه آلاف الليرات، وتغرقه في بحر النشوة عدة ليال. أما الشيء العجيب حقاً فقد وقع بين أيدي رجال المخابرات الفلسطينية شريط تسجيل أخفاه مارون بجيب سري بإحدى الحقائب، لمحادثة تليفونية كاملة بين علي حسن سلامة وأبو داود، وفيها تفاصيل كثيرة عن أمينة المفتي المعتقلة آنذاك ببيروت، هذا الشريط لم يقم مارون بتفريغه أو الاستماع اليه، ولو أنه كان قد فعل ذلك لأدرك الخطر وهرب بجلده ومعه شريكاه.

لكنه اعترف بأن هذا الشريط هو الوحيد الذي لم يفرغ وعندما قام بتسجيله كان منهمكاً في التنصت على مكالمة أخرى بين ياسر عرفات ونايف حواتمة. وبانتهاء التحقيق مع خديجة زهران ومارون سلما إلى السلطات اللبنانية لمحاكمتهما، طبقاً لقانون العقوبات الذي عُدل في 28 يناير 1975، وجاءت مواده الجنائية مائعة وغير رادعة. أما أمينة المفتي .. فقد امتنع الفلسطينيون عن تسليمها للبنانيين، حيث قرروا لها مصيراً آخر، ولم يستجيبوا لضغوط وزير الداخلية اللبناني لمحكامتها. وأمام الرفض التام لذلك . .

اضطر الوزير لنسيان الأمر برمته. فقد كان يدرك بأن هناك نهاية مأساوية تنتظر عميلة الموساد على أيدي الفلسطينيين. وعلى ذلك . . ظلت الجاسوسة العربية مقيدة بكهف السعرانة، يفتك بها الرعب ويغلفها الهلع . . !! الموت البطيء وحدها، انكمشت أمينة في محبسها بكهف السعرانة تنتظر الموت مع كل لحظة، يحاصرها إحساس بالخيبة بعدما أفلت مارون وخديجة من براثن الفلسطينيين، وتولت أمر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة.

لقد كانت تدرك عن قناعة أن زعامتها للشبكة هو سبب بقائها بالكهف دونهما، وبالتالي فإن مصيرها المجهول بين أيدي الفلسطينيين سيكون أشد قسوة وشراسة، لكنه على أية حال لا يساوي أبداً مع بشاعة جرمها. فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد، إلا أنها أخفت عنهم الكثير من الأسرار، بالطبع هي أسرار بالغة الأهمية ستزيد ملفها تخمة، وقطعاً سينقلب اعتقاد الفلسطينيين في كونها جاسوسة كانت ضحية مغامرة عاطفية، إلى جاسوسة عدوانية ترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنس يوماً مدى كراهيتها الشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون في الأردن لهم.

فهي شركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز إلى الوطن العربي، وكانت أسرتها تعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذين يعملون في جيشه، واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهم الفلسطينيون أعداء لهم، وهاجموا الأحياء التي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهية تجاه بعضهم البعض.

هكذا بدت كراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعت مشاعرها وهي تهدي الصهاينة معلومات لا تقدر بثمن عن تحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم. وخلا ملف الاعترافات من توصلها لأسرار مخازن الهلال الأحمر التي يديرها شقيق ياسر عرفات، ففي هذه المخازن كانت تخبأ الأسلحة الخفيفة، والأسلحة المضادة للصواريخ في صناديق المهمات الطبية، مما جعلها دائماً عرضة للعمليات الجوية الصهيونيه بناء على وشاياتها. .

وأخفت أمينة أيضاً سر اختطاف الصهاينة لطائرة الخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الأوسط" في 10 أغسطس 1973، وإجبارها على الهبوط في تل أبيب فقد كانت هي التي أبلغت الموساد بوجود جورج حبش على متنها، لكن حبش كان قد أصيب بأزمة قلبية منعته من ركوب الطائرة

وقتها . . تأكد للفلسطينيين أن هناك اختراقا ًصهيونيا لمنظماتهم، وجرى مسح شامل لمئات الأشخاص دون جدوى. ولم تكن أمينة في ذلك الوقت قد وقعت في دائرة الشك، فقد كانت مشبعة بثقة الفلسطينيين، حيث تعمدت ألا تظهر عداء مبالغاً فيه للصهيونية، وفي مناسبات مختلفة كثيراً ما عبرت عن رأيها في حق اليهود في امتلاك الأرض أيضاً. فأبعد ذلك التصرف الشكوك من حولها، فأي عميل للصهاينه سيبذل ما بوسعه ليبدو عدواً لدوداً للصهيونية.

لذا غادرت بيروت في حذر في جولة تفقدية، واستطاعت أن تمد الموساد بصور لمراكب وسفن الصيد واللنشات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والراسية بمينائي صيدا ورأس شكا في الجنوب والشمال، والتي كانت معدة للعمليات الهجومية البحرية، ومكنت العدو بذلك من تدمير ثلاثين قطعة منها في عملية انتقامية، وجاء ذلك بعد هجوم منظمة فتح البحري على المدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974. كل تلك الأسرار جاءت مفصلة بمذكرات أمينة المفتي التي نشرت في فلسطين فيما بعد، فأضفت على جاسوسة الموساد هالة من الأساطير صعدت بها إلى آفاق الخوارق، ونسبت إليها عمليات وهمية مختلفة عن اكتشافها مؤامرة لاغتيال السادات بوساطة الليبيين عام 1976،
مهدت الطريق لكامب ديفيد بين مصر وإلعدو ، وكانت أمينة وقتذاك مكبلة بالجنازير إلى الحائط داخل كهف السعرانة في جنوب لبنان، تنتظر نهايتها المرتقبة كالموت البطيء. أحلام . . ورصاص

وما أن نشرت الصحف اللبنانية نبأ القبض على أمينة المفتي وأفراد شبكتها، حتى ارتجت جنبات الموساد بشارع كيريا بتل أبيب. وبدأت في الحال تخطيطاً لاستعادة العميلة الأسطورية. فتاريخ الموساد الطويل يسرد لنا عشرات القصص التي انتهت باسترداد جواسيسها، الذين اكتشف أمرهم وكانوا على قيد الحياة. ولهذه القاعدة تبرير منطقي وهو أن إنقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاء الآخرين، ويشجع الرجال والنساء على القيام بعمليات ومهام خطيرة أخرى. ولأن الفلسطينيين يدركون ذلك جيداً، رأى عرفات أن الإبقاء على أمينة بكهف السعرانة أمر ضروري حتى يحين الوقت المناسب لتقرير مصيرها النهائي، نابذاً بذلك رغبة علي حسن سلامة في إعدامها.

فقد كانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تنحصر في التريث لبعض الوقت، ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون العدو. لكن سلامة الذي بدا غير قانع كان يرى في قتلها فوزاً أكيداً، إذ سيصاب عملاء العدو في لبنان بالذعر، وبالتالي يسهل كشف العديد منهم إن لم يسارعوا بمغادرة بيروت.

ولما فشل في إقناع عرفات بوجهة نظره، اضطر إلى السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده. وبذلك ظلت أمينة حبيسة الكهف الجبلي، ترسخ في قيود الذل دون محاكمة، أو بصيص من أمل في النجاة. وفي ذات الوقت الذي أدين فيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة أعوام، وبعام واحد لرفيقته خديجة زهران – "راقب ميوعة الحكم في قانون العقوبات اللبناني . . !!"



انتهى الفصل الخامس عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:16 pm

الفصل السادس عشر

نسجت أمينة المفتي خيوط شبكتها حول أحد حراسها، وأوهمته بأنها بريئة مما نسب إليها، وأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمها الذي يشغل منصباً حساساً في البلاط الملكي الأردني، حيث تصور لهم أنه كان أحد المحرضين لمذابح أيلول الأسود.

وبعد عدة أشهر – في مايو 1976 – كان غسان الغزاوي قد اقترب كثيراً من أمينة، وتعاطف مع محنتها إلى الحد الذي دعاه للتفكير في تخليصها من السجن، وإن استدعى منه ذلك الهرب بها إلى فلسطين .

لقد انقلبت ورديته في الحراسة إلى جلسة غرام تصطخب بالمشاعر والأمنيات. فكانت أمينة تمنحه جرعات متصاعدة من الأشواق واللهفة، تطيح بعقله وتعبث به إلى دنيا جديدة من أوهام التمني. ولأنه نجار خائب لا يجيد صنعته، عاش سني حياته الثلاثين في حالة حرب دائمة مع الحياة بحثاً عن عيشة رغدة مريحة، لكن هيهات أن يراها كسول مثله، أوقف خبرته عند حد معين لم يستطيع تجاوزه، فتقهقرت إرادته وانزوى منسياً بين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية في صور، يجرع الجوع واليأس ناقماً على حظه وعلى الدنيا كلها.

إن فاشلاً مثله استعبده الفقر والجهل من السهل جداً إغواؤه والسيطرة عليه مادياً أو عاطفياً، فهو في الأصل لا يمكن أن يكون مؤمناً بقضيته أو مستوعباً لرسالة الكفاح من أجلها، ذلك لأنه أرجع فشله إلى كل تلك الظروف التي تحيط به وبشعبه. ووطن نفسه على أنه مجرد ضحية لا ذنب له لكي يعيش معدماً شريداً، يفتقد أبسط مظاهر الحياة وأقلها ترفاً.

هكذا قرأته أمينة وتسللت إليه في سهولة ما أيسرها على متخصصة في علم النفس مثلها، وأغوته بمكذوب العواطف تصبها صباً في أذنيه، فأذابته تماماً وهو المحروم اللاهث خلف الأحلام، وترقب عن كثب انسكاب مقاومته الخائرة، واستفحال رغبته في تخليصها أملاً في حياة هنيئة بفلسطين .

فكانت هي بذلك أول عميلة للموساد على الإطلاق، تجند حارسها في السجن للفرار بها إلى خارج حدود الدولة. وجاء بمذكراتها فيما بعد أنها كانت تنوي النجاة بنفسها فقط، وتركه على الحدود يواجه مصيره وحده مع الفلسطينيين، حيث ستحاك الأساطير الصهيونيه عن قصة هروبها العبقرية. لكن خابت أحلامها في المجد والتكريم

. وخابت أحلامه أيضاً في الثراء والنعيم، عندما أفضى بسره إلى أحد رفقاء فقره في المخيم، الذي أبلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته، وضبط وهو يحاول إدخال بزة عسكرية إلى الكهف لترتديها أمينة أثناء الهرب.

وانتهت أحلام الخائن برصاصات أخترقت صدره في أكتوبر 1976، وبتثقيل القيود الحديدية بأيدي الخائنة ورجليها، وشدها إلى الحائط مصلوبة وبأقل قدر من الطعام والشراب، إلى أن تقيحت أطرافها المختنقة بالقيود، وعمل معول الهزال بجسدها كما يعمل معول النحات الماهر بمادته الصخرية، فعاشت ذابلة كالموتى لا يميزها عنهم سوى ارتعاشة الأطراف، وزوغان حدقتين لا تبصران إلا الخوف والظلام . . !

انتهى
الفصل السادس عشر

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
همس الناي
ام خلوودي
avatar

عدد الرسائل : 1219
العمر : 33
رقم العضويه : 4
تاريخ التسجيل : 23/10/2008
التقييم : 4090

مُساهمةموضوع: رد: اشهر جاسوسة عربيه   الثلاثاء يونيو 16, 2009 6:17 pm

الفصل السابع عشر

الدور الطاهر

في المكتب الفرعي لمنظمة التحرير الفلسطينية في صيدا، اجتمع المدير بالضابط الفلسطيني الموفد من الرئاسة في بيروت، حيث أطلعه على تفاصيل حياة أمينة المفتي في محبسها الانفرادي بكهف السعرانة وكان الضابط يصغي اليه باهتمام ليستكمل النقاط التي يريدها فمهمته كخبير في الشؤون المعنوية تتطلب منه ذلك خاصة . . والوقت يمضي سريعاً بعدما وافقت المنظمة على الموعد المحدد في لارناكا. وبعد الاجتماع انطلقت السيارة الجيب العسكرية تقل الضابط إلى كهف السعرانة.

كان الطريق المتعرج الضيق قد نحتت أجزاء منه من الجبل، فيستقيم منحدراً أحياناً ثم يلتوي فجأة في صعود والتفاف حول الجبل.

ومن بعيد . . بدا الكهف الموحش كنقطة سوداء في بطن الجبل السامق، وكلما اقتربت السيارة شوهد جنود الحراسة المشددة بأسلحتهم الأوتوماتيكية في حالة التأهب. وكانت الأكمنة المتحركة تزيد الأمر حساسية واهتماماً، حتى يخال للبعض أن بالمنطقة مفاعلاً نووياً سرياً. وعندما دلف الضابط إلى الكهف، كانت الإضاءة القوية تكشف دهليز الفوهة وتظهر ملامح الوحشة وغموض الطبيعة. وفي نهاية أحد الممرات . . تكورت كومة من عظام . . شدت أطرافها الأربعة بالجنازير. اقترب منها الضابط متفحصاً، فرمقته بنظرات تفيض رعباً . . لكن وجهه الهادئ سكّن بعض الخوف لديها، وحاولت أن تستقرئ ما جاء لأجله ففشلت

وتملكها ألف هاجس وهاجس . . وأطرقت إلى الأرض ثم همدت أنفاسها قليلاً وقالت في صوت خفيض كأنه جاء من قرار:
هل حان وقت الإعدام . . ؟
اقترب منها الضابط أكثر وأكثر، لكي تصلها كل كلماته وقال:
سنطلق سراحك بعد أيام . . وستعودين إلى الأرض السليبه مرة أخرى.
ارتعدت أطرافها المقيدة فارتج بدنها كله، وجحظت عيناها الغائرتان في تحفز لما يقوله الضابط الذي أردف:
بعد عشرة أيام من الآن ستكونين حرة لدى العدو، ويجب أن تكوني على
يقين من أننا لم نعاقبك ولم نؤذك بقدر ما أذيتنا. فنحن أناس
مسالمون سعدنا بوجودك ذات يوم بيننا، ووثقنا بك
بلا حدود على اعتبار أنك عربية . . مخلصة، وعن حب فتحنا لك قلوبنا . . وكل أبوابنا الموصدة في وجه الآخرين،

وما تطرق إلينا الشك فتسببت بفعلتك في مقتل عشرات الأبرياء من شبابنا. . وانخلعت على يدك قلوب أمهات ثكإلى . . فقدت الابن والزوج . . والبسمة.
. . انهمرت دموع أمينة المفتي ، ولم يدر الضابط أهي دموع الحسرة والندم، أم أنها دموع الفرح بنجاتها.


وأكمل الضابط:
هذه الأرض التي أنت عليها الآن أرض عربية، وتلك الأرض التي ولدت فوق ترابها أرض عربية، وكذلك الأرض التي بعت دينك ووطنك وأهلك لأجلها . . أيضاً . . عربية، عربية مغتصبة. . سليبة، ستعود حتماً ذات يوم لأصحابها، ربما يتحقق ذلك بعد جيل . . أو جيلين . . أو ثلاثة، أو أقل من ذلك بكثير. ونحن هنا الآن لنجاهد بدماء أبنائنا، ولن نكف عن الجهاد حتى نموت دونها . . وأنت . . ما جئت إلى هنا إلا لقتلنا دونما ذنب بحقك اقترفناه. فلا تظنين أن الأرض التي ستعودين إليها سترحب بك


. . لكن تأكدي أن القدس وحيفا ويافا وبيت لحم ونابلس . . كل فلسطين ستبصق عليك الأرض مع كل خطوة، حتى وإن متّ فستلفظك قرفاً في قبرك . . وسيأبى دودها الطاهر أن يرعى بجثمانك .
. وعندها . . ازداد نحيبها قسوة . . وعلا نشيجها مع صعود صدرها الضامر وهبوطه ، وانعقد لسانها فلم تقو على الكلام لاصطكاك أسنانها، ورعشة شفتيها التي غزت الوجه المتقلص الشاحب.

وقال الضابط آمراً جنوده قبلما ينصرف:
فكوا قيود ضيفتنا وقدموا لها أشهى الطعام والشراب .
أهزيمة ساحقة أم انتصار باهر . . ؟ تساءلت أمينة في نفسها وتعجبت للإحساس المائع المشوه الذي يخالجها في ضراوة. وظلت لأيام تترنج لصدى كلمات الضابط التي تنخر في عظامها وعقلها، فلا تجد سوى مراراً خفياً كأنه دبيب نمل يسري بأوصالها. هكذا اقتُلعت مشاعرها من الجذور، وغرقت في وجوم قاتل يفتك بأعصابها ويزلزل جوانب إدراكها الباطن والظاهر.


تقول أمينة في مذكراتها بعد ذلك:

كانت كلمات الضابط كالسهام تخترق عقلي وجسدي . . فأصابت اتزاني وطوحت بآمالي وأوهامي . . وأغرقتني في محيط يموج بالغموض وينبض بالخوف . . والعدم. وأوشكت أن أصرخ فيه أن يرحمني ويصمت . . فيوقف رشق سهامه بأعضائي التي وهنت . . ونزحت عنها مسحة القوة. لكنه كان كمدفع رشاش أخرج كل رصاصاته في زخة واحدة.


ترى . . لماذا جيء به إليّ . . ؟ ألكي يشعرني بحقارتي وجرمي . . ؟ أم ليوقظ بداخلي أحاسيس دفنت من زمن . . ؟ كل ما أذكره وقتها أنني فقدت رسالتي التي خلقت لأجلها . . وهي أنني لم أعد أصلح لأن أكون أماً. فكيف لامرأة مثلي حبلى بالخيانة أن ترضع طفلها وتحتويه، بينما هي تقتل الأطفال والشباب، وتموت أمهاتهم حزناً عليهم وأساً . . ؟ أكنت إذن واهمة إلى حد فقدان العقل والتمييز . . ؟ أكنت أصارع طواحين الهواء كما كان يفعل دون كيشوت . . ؟

أين أنت الآن يا أمي لأفرد ذراعاي حول عنقك والتصق بصدرك الدافئ الحنون . . ؟ أين أنت يا أبي لتنتشلني من مصيبتي وتنير لي الطريق بالنصح كما كنت تفعل أيام طفولتي وشبابي . . ؟ أين هم إخوتي وكانوا لي ظلالاً وارفة تحميني من لسعة الحياة ومدب السيل الجارف . . ؟

أين شقيقاتي وخالاتي وعماتي . . ؟ أين ستائر حجرتي الحريرية ومرآتي . . ؟ ترى أتضم أمي الآن أشيائي وتلعنني أما أنها تبكي لمأساتي . . ؟ لم يبق لي من شيء سوى صمت كالموات يقتلني ودمعاتي . .؟"
عجيبة حقاً تلك المرأة المثيرة، فلعلكم لاحظتم مدى تمكنها وبراعتها في وصف أدق خلجات ذاتها بأسلوب مشوق رائع، متنقلتا في راحة من موقف إلى موقف آخر. ترى هل أسبغت عليها البراعة في التجسس براعة أخرى في الوصف والتحليل . . ؟ ربما يكون ذلك . .

فالعمل التجسسي لا يقوم إلا على اليقظة الشديدة والحرص والدقة. والكتابة أيضاً لكي تدخل إلى القلب وتحرك المشاعر تلزمها اليقظة في سرد الفكرة، والحرص على خط التصعيد الدرامي المترابط دون ملل، والدقة في الوصف وتقريب التخيل إلى نبض الواقع في سرد الفكرة، أنها تضج بالحيوية وانسكاب المشاعر، وتندفع بها في أحيان كثيرة إلى السجع الموسيقي القريب من أوزان الشعر.
فلو أنها اتجهت إلى الكتابة لكانت الآن أديبة قديرة . . لكن . . هكذا فعلت بنفسها.

_________________




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
اشهر جاسوسة عربيه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
حبي غير :: ღ๏ـآلـمـنـتـديـآت ـآلأدبـــيــــة๏ღ :: القصص والرٍوآيآت-
انتقل الى: